تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
وقيل : بالملائكة . وقيل : بالتسمية . وهذا يقوّي قول مكّيّ . فإن قلنا : ما لهم بالآخرة فهو جواب كما قلنا : إنهم وإن كانوا يقولون : إن الأصنام شفعاؤنا عند اللّه ، وكانوا يربطون الإبل على قبور الموتى ليركبوها لكن ما كانوا يقولون به عن علم . وإن قلنا بالتسمية ففيه إشكال ، وهو أن العلم بالتسمية حاصل لهم فإنهم يعلمون أنّهم ( ليسوا « 1 » في شكّ ) . والجواب : أن التسمية قد يكون واضعها الأول عالما بأنه وضع ، وقد يكون استعمالا معنويا يتطرق إليه الصدق والكذب والعلم . فمثال الصدق من وضع أولا اسم السماء لموضوعها وقال : هذا سماء ، ومثال الكذب إذا قلنا بعد ذلك للماء والحجر : هذا سماء ، فإنه كذب ومن اعتقد فهو جاهل وكذلك قولهم في الملائكة : إنّهم بنات اللّه لم تكن تسمية وضعية ، وإنما أرادوا به أنهم موصوفون باسم يجب به استعمال لفظ البنات فيهم ، وذلك كذب ومعتقده جاهل ، فالمراد التسمية التي هي عن وصف حقيقي لا التسمية الوضعيّة ؛ لأنهم عالمون بها فهذا هو المراد . قاله ابن الخطيب « 2 » . وقوله :
( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ )
تقدم الكلام عليه . وقوله :
( إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً )
قيل : الحق بمعنى العلم أي لا يقوم الظنّ مقام العلم . وقيل : الحق بمعنى العذاب ، أي إنّ ظنهم لا ينقذهم من العذاب . قال ابن الخطيب : المراد منه أن الظن لا يغني في الاعتقادات شيئا وأما الأفعال العرفية أو الشرعية فإنه يتبع عند عدم الوصول إلى اليقين . ويحتمل أن يقال : المراد من الحق هو اللّه والمعنى أن الظن لا يفيد شيئا من اللّه أي أن الأوصاف الإلهيّة لا تستخرج بالظنون بدليل قوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ . *
فإن قيل : أليس الظن قد يصيب فكيف يحكم عليه بأنه لا يغني أصلا ؟ فالجواب : أن المكلف لا يحتاج إلى مميز يميّز الحقّ من الباطل ؛ ليعتقد الحق ويميز الخير من الشر ليفعل الخير لكن في الحق ينبغي أن يكون جازما لاعتقاد مطابقته ، والظّانّ لا يكون جازما وفي الخير ربما يعتبر الظن في مواضع .

فصل [ في أن اللّه سبحانه وتعالى منع من الظن في ثلاثة مواضع ]

اعلم أن اللّه تعالى منع من الظن في ثلاثة مواضع : أحدها : قوله تعالى :
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ .
هامش
( 1 ) زيادة من الرازي . ( 2 ) بالمعنى 28 / 310 .