تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
وجب أن يقال : كلّ من عمل صالحا واحدا من الصالحات فإنه يدخل الجنة ، ويرزق فيها بغير حساب ، والآتي بالإيمان والمواظب على التوحيد والتنزيه والتقديس مدة ثمانين سنة قد أتى بأعظم الطاعات « 1 » ، وبأحسن الطاعات ، فوجب أن يدخل الجنة ، والخصم يقول : إنه يخلد في النار أبد الآباد ، وذلك مخالف لهذا النص الصريح . قالت المعتزلة : إنه تعالى شرط فيه كونه مؤمنا ، ومرتكب الكبيرة عندنا ليس بمؤمن ، فلا يدخل في هذا الوعد والجواب ما تقدم في قوله :
« يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ »
فإن صاحب الكبيرة مؤمن فسقط كلامهم « 2 » .

فصل [ في دلالة هذه الآية على اعتبار المماثلة في الشريعة ]

دلت هذه الآية على اعتبار المماثلة في الشريعة ، وأن الزائد على المثل غير مشروع ، وليس في الآية بيان أن تلك المماثلة معتبرة في أي الأمور ، فلو حملناها على رعاية المماثلة في جميع الأمور صارت الآية عامة خاصة . وقد ثبت في أصول الفقه أن التعارض إذا وقع بين الإجمال والتخصيص كان الأول أولى ، فوجب أن تحمل هذه الآية على رعاية المماثلة من كل الوجوه إلا ما خصّه الدليل وإذا ثبت ذلك بني عليه أحكام كثيرة من الجنايات على النفوس والأعضاء والأموال ؛ لأنه تعالى بين أنّ جزاء السيئة مقصور على المثل ، وبين أن جزاء الحسنة ليس مقصورا على المثل بل هو خارج عن الحساب « 3 » . قوله تعالى :
وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ .
قوله تعالى :
وَيا قَوْمِ
قال الزمخشري : فإن قلت : لم جاء بالواو في النداء الثالث دون الثاني ؟ قلت : لأن الثاني داخل على كلام هو بيان للمجمل ، وتفسير له ، فأعطي الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو . وأما الثالث فداخل على كلام ليس بتلك المثابة ، أي كلام مباين للأول والثاني ، فحسن إيراد الواو العاطفة فيه « 4 » . وكرر النداء لأن فيه زيادة تنبيه لهم وإيقاظا من سنة الغفلة ، وأظهر أن له بهذا مزيد اهتمام ، وعلى أولئك الأقوام فرط شفقة . قوله :
« وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ »
هذه الجملة مستأنفة ، أخبر عنهم بذلك بعد استفهام عن دعاء نفسه ويجوز أن يكون التقدير : وما لكم تدعونني إلى النار ، وهو الظاهر ، ويضعف أن تكون الجملة حالا ، أي ما لكم أدعوكم إلى النجاة حال دعائكم إياي إلى النار « 5 » .
هامش
( 1 ) كذا في النسختين وفي الرازي : « الصالحات » . ( 2 ) انظر الرازي المرجع السابق . ( 3 ) قاله الإمام الرازي بالمعنى في تفسيره 27 / 69 . ( 4 ) الكشاف 3 / 429 . ( 5 ) قال بهذه الإعرابات السمين في الدر المصون 4 / 698 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 58 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب