تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
ثلاثة أخرى من صفات الجلال والعظمة وهو قوله رفيع الدرجات وهذا يحتمل أن يكون المراد منه الرافع وأن يكون المراد منه المرتفع ، فإن حملناه على الأول ففيه وجوه : الأول : أن اللّه يرفع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة . والثاني : يرفع درجات الخلق في العلوم والأخلاق الفاضلة فجعل لكل أحد من الملائكة درجة معيّنة كما قال :
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
[ الصافات : 164 ] ، وجعل لكل أحد من العلماء درجة معينة فقال تعالى :
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ
[ المجادلة : 11 ] وعين لكل جسم درجة معينة فجعل بعضها سفليّة كدرة ، وبعضها فلكية كوكبية ، وبعضها من جواهر العرش والكرسي ، وأيضا جعل لكل واحد مرتبة معينة في الخلق والخلق والرزق والأجل فقال :
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ
[ الأنعام : 165 ] وجعل لكل أحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة وفي الآخرة تظهر تلك الآثار . وإن جعلنا « الرفيع » على « المرتفع » فهو سبحانه أرفع الموجودات في جميع صفات الكمال والجلال . وقوله
« ذُو الْعَرْشِ »
أي خالقه ومالكه ومدبره ، و
« يُلْقِي الرُّوحَ »
أي ينزل الوحي من السماء روحا لأنه تحيا به القلوب كما تحيا الأبدان بالأرواح « 1 » وقوله
« مِنْ أَمْرِهِ »
متعلق ب « يلقي » ، و « من » لابتداء الغاية ، ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من « الروح » « 2 » .

فصل [ في معنى قوله : « يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ »

] قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : معنى من أمره أي من قضائه ، وقيل : من قوله . وقال مقاتل بأمره على من يشاء من عباده « 3 » . وقوله :
« لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ »
العامة على بنائه للفاعل ، ونصب اليوم والفاعل هو اللّه تعالى أو الروح أو
« مَنْ يَشاءُ »
أو الرسول ، ونصب « اليوم » إما على الظرفية والمنذر به محذوف تقديره لينذر العذاب يوم التلاق ، وإما على المفعول به اتساعا في الظرف « 4 » وقرأ أبيّ وجماعة كذلك إلا أنه رفع اليوم « 5 » على الفاعلية مجازا أي لينذر الناس العذاب يوم التلاق . وقرأ الحسن واليمانيّ « لتنذر » - بالتاء من فوق « 6 » - وفيه وجهان : أحدهما : أن الفاعل ضمير المخاطب وهو الرسول - صلّى اللّه عليه وسلم - .
هامش
( 1 ) الرازي 27 / 42 ، 43 . ( 2 ) الدر المصون 4 / 681 والتبيان 1116 . ( 3 ) البغوي والخازن في تفسيريهما 6 / 91 . ( 4 ) أورد هذه الإعرابات شهاب الدين السمين في الدر المصون 4 / 681 . ( 5 ) نقلها الزمخشري في الكشاف 3 / 419 وأبو حيان في البحر 7 / 455 . ( 6 ) السابقين وانظر مختصر ابن خالويه 132 وانظر هذه القراءات أيضا كلها في الدر المصون 4 / 681 ، وانظر قراءة الخطاب في معاني القرآن وإعرابه للزجاج 4 / 369 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 23 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب