تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠

فصل [ في تفسير « مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ »

] ذكروا في تفسير مقتهم أنفسهم وجوها : الأول : أنهم إذا شاهدوا القيامة والجنة والنار مقتوا أنفسهم على إصرارهم على التكذيب بهذه الأشياء في الدنيا . الثاني : أن الأتباع يشتد مقتهم للرؤساء الذين دعوهم إلى الكفر في الدنيا ، والرؤساء أيضا يشتد مقتهم للأتباع فعبر عن مقت بعضهم بعضا بأنهم مقتوا أنفسهم كقوله تعالى :
فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
[ البقرة : 54 ] ، والمراد قتل بعضهم بعضا . الثالث : قال محمد بن كعب ( القرظيّ ) : إذا خطبهم إبليس وهم في النار بقوله : « ما كان لي عليكم من سلطان » إلى قوله :
وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ
[ إبراهيم : 25 ] ففي هذه الحالة مقتوا أنفسهم ، وأما الذين ينادون الكفار بهذا الكلام فهم خزنة جهنّم « 1 » .

فصل [ في معنى الآية : « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ . . . »

] المقت : أشد البغض وذلك في حق اللّه تعالى محال ، فالمراد منه الإنكار والزجر « 2 » ، قال الفراء قوله
« يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ »
معناه ينادون أن مقت اللّه ، يقال : ناديت إن زيدا قائم ، وناديت لزيد قائم « 3 » . ثم إنه تعالى بين أن الكفار إذا خوطبوا بهذا الخطاب قالوا :
« رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ . . . »
الآية : « اثنتين » نعت مصدر محذوف تقديره إماتتين اثنتين « 4 » . قال ابن عباس وقتادة والضحاك : كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم فأحياهم اللّه في الدنيا ، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها ، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة فهما موتان وحياتان ، وهو كقوله :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
[ البقرة : 28 ] . وقال السديّ : أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم للسؤال ثم أميتوا في قبورهم ، ثم أحيوا في الآخرة . وقوله
« فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ »
أي من خروج من النار إلى الدنيا فنصلح أعمالنا ونعمل بطاعتك ، ومّر نظير :
« هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ »
« 5 » والمعنى أنهم لما عرفوا أن الذي كانوا عليه في الدنيا كان فاسدا باطلا تمنوا الرجوع إلى الدنيا ليشتغلوا بالأعمال الصالحة . فإن قيل : الفاء في قوله « فاعترفنا » يقتضي أن تكون الإماتة مرتين ( والإحياء « 6 » مرتين ) سببا لهذا الاعتراض فما وجه هذه السّببيّة ؟ .
هامش
( 1 و 2 ) انظر الرازي 27 / 38 . ( 3 ) معاني القرآن له 3 / 7 . ( 4 ) الرازي السابق . ( 5 ) انظر هذه الأقوال كلها في تفسير البغوي 6 / 90 ، 91 . ( 6 ) سقط من ب .