تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
بَعِيدٍ »
قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - يريد مثل البهيمة التي لا تفهم إلا دعاء ونداء . وقيل : من دعي من مكان بعيد لم يسمع وإن سمع لم يفهم فكذا حال هؤلاء ، وهذا مثل لقلّة انتفاعهم بما يوعظون به « 1 » . قوله تعالى :
« وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ »
وجه تعلقه بما قبله كأنه قيل : إنا لما آتينا موسى الكتاب فقبله بعضهم وردّه آخرون فكذلك آتيناك هذا الكتاب ، فقبله بعضهم وهم أصحابك ، ورده آخرون وهم الذين يقولون : قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه « 2 » . ثم قال :
« وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ »
يعني في تأخير العذاب عنهم
« إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى » *
وهو يوم القيامة
« لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ »
يعني المصدق والمكذب بالعذاب الواقع أي لفرغ من عذابهم وعجل إهلاكهم
« وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ »
من صدقك وكتابك « مريب » موقع لهم الريبة ، فلا ينبغي أن يعظم استيحاشك من قولهم :
« قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ »
. ثم قال :
« مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها »
يعني خفف على نفسك إعراضهم فإنهم إن آمنوا فنفع إيمانهم يعود عليهم وإن كفروا فضرر كفرهم يعود عليهم « 3 » فاللّه سبحانه وتعالى يوصل إلى كل أحد ما يليق بعمله من الجزاء
« وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
« 4 » . قوله : « فلنفسه » يجوز أن يتعلق بفعل مقدر أي فلنفسه عمله « 5 » ، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر أي فالعامل الصالح لنفسه « 6 » . وقوله « فعليها » مثله . ثم قال :
« وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
والكلام على نظيره قد تقدم في سورة آل عمران عند قوله :
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ آل عمران : 182 ] . قوله ( تعالى ) « 7 » :
« إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ »
لما هدد الكفار بقوله :
« مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها »
ومعناه أن جزاء كل أحد يصل إليه يوم القيامة ، فكأن سائلا قال : ومتى يكون ذلك اليوم ؟ فقال تعالى : إنه لا سبيل للخلق إلى معرفة وقت ذلك اليوم ولا يعلمه إلا اللّه فقال : إليه يرد علم الساعة وهذه الكلمة تفيد الحصر ، أي لا يعلم وقت الساعة بعينه إلا اللّه تعالى وكذلك العلم بحدوث الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا عند اللّه ، ثم ذكر من أمثلة هذا الباب مثالين : أحدهما : قوله :
« وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها »
. والثاني : قوله :
« وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ »
« 8 » .
هامش
( 1 ) البغوي 6 / 114 . ( 2 ) الرازي 27 / 134 . ( 3 ) في ب واللّه ، بالواو . ( 4 ) انظر المرجعين السابقين . ( 5 ) الدر المصون 4 / 738 . ( 6 ) التبيان 1128 . ( 7 ) زيادة من أالأصل . ( 8 ) قاله الإمام الرازي في تفسيره التفسير الكبير 27 / 136 و 137 .