تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
عامر بن الحضرمي وكان يهوديّا أعجميا يكنى أبا فكيهة ، فقال المشركون : إنما يعلمه يسار فضربه سيده وقال : إنك تعلّم محمدا فقال يسار : هو يعلّمني ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية « 1 » . وقال ابن الخطيب : نقلوا في نزول هذه الآية أن الكفار لأجل التعنت قالوا : هلا نزل القرآن بلغة العجم فنزلت هذه الآية . وعندي : أن أمثال هذه الكلمات فيها حذف عظيم على القرآن ، لأنه يقتضي ورود آيات لا تعلق للبعض فيها بالبعض ، وأنه يوجب أعظم أنواع الطعن فكيف يتم مع التزام مثل هذه الطعن ادعاه كونه كتابا منتظما ؟ ! فضلا عن ادّعاء كونه معجزا ؛ بل الحق عندي أن هذه السورة من أولها إلى آخرها كلام واحد على ما حكى اللّه عنهم من قولهم
« قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ »
وهذا الكلام متعلق به أيضا وجواب له والتقدير : إنا لو أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم لكان لهم أن يقولوا : كيف أرسلت الكلام العجمي إلى القوم العرب ؟ ويصح لهم أن يقولوا : قلوبنا في أكنة من هذا الكلام ، وفي آذاننا وقر منه لأنا لا نفهمه ولا نحيط بمعناه . أما لمّا نزل « 2 » هذا الكتاب بلغه العرب وبألفاظهم وأنتم من أهل هذه اللغة فكيف يمكنكم ادعاء أن قلوبكم في أكنة منها وفي آذانكم وقر منها ؟ ! فظهر أنا إذا جعلنا هذا الكلام جوابا عن ذلك الكلام بقيت السورة من أولها إلى آخرها على أحسن وجوه النظم ، وأما على الوجه الذي يذكره الناس فهو عجيب جدّا « 3 » . قوله :
« قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ »
أي قل يا محمد هو يعني القرآن للذين آمنوا هدى وشفاء هدى من الضلالة وشفاء لما في القلوب . وقيل : شفاء من الأوجاع « 4 » . قال ابن الخطيب : هذا متعلق بقولهم :
« وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ »
. . . الآية كأنه تعالى يقول : إن هذا الكلام أرسلته إليكم بلغتكم لا بلغة أجنبية عنكم فلا يمكنكم أن تقولوا قلوبنا في أكنة منه بسبب جهلنا هذه اللغة فكل من أعطاه اللّه تعالى طبعا مائلا إلى الحق ، وقلبا داعيا إلى الصدق وهمّة تدعوه إلى بذل الجهد في طلب الدين فإن هذا القرآن يكون في حقه هدى وشفاء . أما كونه هدى فإنه إذا أمكنه الاهتداء فقد حصل الهدى ، وذلك شفاء لهم من مرض الكفر والجهل ، وأما من غرق في بحر الخذلان وشغف بمتابعة الشيطان فكأنّ هذا القرآن عليهم عمّى ، كما قال
« وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ »
أولئك ينادون من مكان بعيد بسبب ذلك الحجاب الحائل بينه وبين الانتفاع ببيان القرآن وكل من أنصف ولم يتعسف « 5 » علم أن التفسير على هذا الوجه الذي ذكرناه أولى مما ذكروه ؛ لأن السورة تصير من
هامش
( 1 ) في الرازي - وهو الأصح - حيف وهو ظلم كما سيأتي بعد الرازي 27 / 133 . ( 2 ) وفيه أنزلنا . ( 3 ) الرازي 27 / 133 ، وانظر ما قبل أعلى في البغوي 6 / 113 و 114 . ( 4 ) ذكر هذا الإمامان البغوي والخازن في تفسيريهما 6 / 114 . ( 5 ) كذا في تفسير ابن الخطيب وفي ب ينصف بدل يتعسف .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 150 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب