تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
إلا أن قالوا له استهزاء
« ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ »
أن العذاب نازل بنا فعند ذلك قال لوط :
« رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ »
بتحقيق قولي في العذاب . فإن قيل : قال قوم « إبراهيم » اقتلوه أو حرّقوه ، وقال قوم لوط
« ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ »
وما هددوه ( مع ) « 1 » أن « إبراهيم » كان أعظم من « لوط » فإن لوطا كان من قومه . فالجواب : أن إبراهيم كان يقدح في دينهم ويشتم آلهتهم ويعدد صفات نقصهم بقوله : « لا تبصر ، ولا تسمع ولا تنفع ، ولا تغني » والقدح في الدين صعب ، فجعلوا جزاءه القتل والتحريق « 2 » ، ولوط كان ينكر عليهم فعلهم ، وينبههم إلى ارتكاب التحريم وهم ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين فلم يصعب عليهم مثل ما صعب على قوم إبراهيم كلام إبراهيم وقالوا « 3 » : إنك تقول : إن هذا حرام واللّه يعذب عليه ونحن نقول : لا نعذب « 4 » فإن كنت صادقا فأتنا بالعذاب . فإن قيل : إن اللّه « 5 » قال في موضع آخر :
« فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ »
« 6 » . وقال هنا :
« فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا »
فكيف الجمع ؟ فالجواب : أن لوطا كان ثابتا « 7 » على الإرشاد مكررا على النهي والوعيد فقالوا ( أولا ) « 8 » ائتنا ( ثم ) « 9 » لما كثر منه ولم يسكت عنهم قالوا : « أخرجوا » . ثم إنّ لوطا لما يئس منهم طلب النّصرة من اللّه وذكرهم بما لا يحب اللّه فقال
« رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ »
( فإن
اللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) *
« 10 » حتى ينجز النّصر « 11 » . واعلم أن كلّ نبي من الأنبياء ما طلب « 12 » هلاك قومه إلا إذا علم أن عدمهم خير من وجودهم ، كما قال نوح
« إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً »
« 13 » ، يعني : أن المصلحة إما أن تكون فيهم حالا ، أو بسببها مآلا ولا مصلحة فيهما ، فإنهم ضالون في الحال وفي المآل فإنهم يوصون أولادهم من صغرهم بالامتناع عن الأتباع وكذلك لوط لما رأى أنهم يفسدون في الحال ، واشتغلوا بما لا يرجى منهم ولد صالح يعبد اللّه فطلب المصلحة حالا ومآلا ، فعدمهم صار خيرا ، وطلب العذاب .
هامش
( 1 ) ساقط من ب . ( 2 ) في ب : بالتحريق . ( 3 ) في ب : فقالوا . ( 4 ) في ب : يعذب عليه . ( 5 ) في ب : « إن اللّه تعالى » . ( 6 ) النمل : 56 . ( 7 ) في ب : تاما . ( 8 ) ساقط من ب وفيها « فقال ائتنا » . ( 9 ) ساقط من ب . ( 10 ) تكملة يقتضيها السياق من الفخر الرازي . ( 11 ) انظر : التفسير الكبير للفخر الرازي 25 / 59 . ( 12 ) في ب : يطلب بالمضارعة . ( 13 ) نوح : 27 .