قوله :
« وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ »
ولا تطلب الفساد في الأرض « 1 » ، وكل من عصى اللّه فقد طلب الفساد في الأرض « 2 » ، وقيل المراد ما كان عليه من الظلم والبغي « 3 » ، و
« فِي الْأَرْضِ »
يجوز أن يتعلق ب « تبغ » أو ب « الفساد » أو بمحذوف على أنه حال وهو بعيد . ثم قال :
« إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ »
، قيل : إن هذا القائل هو موسى « 4 » عليه السلام « 5 » ؛ وقيل : بل مؤمنو قومه « 6 » .
وقوله : « عندي » إما ظرف ل « أوتيته » ، وإما صفة « 7 » للعلم « 8 » .
فصل [ في معنى الآية : « إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ »
]
قال قارون :
« إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي »
أي : على فضل وخير علمه اللّه عندي فرآني « 9 » أهلا لذلك ففضلني بهذا المال عليكم كما فضلني بغيره « 10 » ، وقال سعيد بن المسيب والضحاك : كان موسى عليه السلام « 11 » يعلم علم الكيمياء ( أنزل اللّه عليه علمه من السماء ) « 12 » فعلّم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم وعلم كالب بن يوقناء ثلثه وعلم قارون ثلثه ، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه « 13 » . وكان ذلك سبب أمواله .
وقيل :
« عَلى عِلْمٍ عِنْدِي »
بالتصرف في التجارات والزراعات وأنواع المكاسب « 14 » ثم أجاب اللّه عن كلامه بقوله :
« أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ »
الكافرة
« مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً »
للأموال أو أكثر جماعة وعددا . فقوله
« أَ وَلَمْ يَعْلَمْ »
يجوز أن يكون هذا إثباتا « 15 » لعلمه بأن اللّه قد أهلك قبله من القرون من هو أقوى منه وأغنى ، لأنه قرأه في التوراة وأخبر به موسى وسمعه من حفاظ التواريخ ؛ كأنه قيل : أو لم يعلم في جملة ما عنده من العلم هذا حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوته . ويجوز أن يكون نفيا لعلمه بذلك لأنه لما قال :
« أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي »
فتصلف « 16 » بالعلم وتعظم به قيل مثل ذلك العلم الذي ادعاه ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة ولم يعلم هذا العلم النافع « 17 » حتى يقي به نفسه . والمعنى أنه تعالى إذا أراد إهلاكه لم ينفعه ذلك ولا ما « 18 » يزيد عليه أضعافا « 19 » .
هامش
( 1 ) في الأرض : سقط من ب .
( 2 ) انظر البغوي 6 / 362 .
( 3 ) انظر الفخر الرازي 25 / 17 .
( 4 ) انظر الكشاف 3 / 178 ، الفخر الرازي 25 / 17 .
( 5 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .
( 6 ) انظر الفخر الرازي 25 / 17 .
( 7 ) صفة : سقط من ب .
( 8 ) انظر التبيان 2 / 1026 .
( 9 ) في ب : وإني .
( 10 ) انظر البغوي 6 / 363 .
( 11 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .
( 12 ) ما بين القوسين سقط من ب .
( 13 ) انظر الكشاف 3 / 178 ، الفخر الرازي 25 / 17 .
( 14 ) المرجعان السابقان .
( 15 ) في ب : استئنافا .
( 16 ) الصلف : مجاوزة القدر في الظّرف والبراعة والادّعاء فوق ذلك تكبرا . اللسان ( صلف ) .
( 17 ) في ب : الباقي .
( 18 ) ما : سقط من ب .
( 19 ) انظر الكشاف 3 / 178 - 179 ، الفخر الرازي 25 / 17 .