قوله : « أمّا » أم هذه متصلة عاطفة ، لاستكمال شروطها « 1 » ، والتقدير : أيّهما خير ، و « خير » إمّا تفضيل - على زعم الكفار - وإلزام « 2 » الخصم ، أو صفة لا تفضيل فيها « 3 » .
و « ما » في « أم ما » بمعنى الذي ، وقيل : مصدرية ، وذلك على حذف مضاف من الأول ، أي :
أتوحيد اللّه خير أم شرككم « 4 » ؟ وقرأ أبو عمرو وعاصم : « أما يشركون » بالغيبة حملا على ما قبله من قوله :
« وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ »
، وما بعده من قوله :
« بَلْ أَكْثَرُهُمْ »
، والباقون على الخطاب « 5 » ، وهو التفات للكفار ، بعد خطاب نبيه - عليه السلام « 6 » - وهذا تبكيت للمشركين بحالهم ، لأنهم آثروا عبادة الأصنام على عبادة اللّه تعالى ، ولا يؤثر عاقل شيئا على شيء إلا لزيادة خير ومنفعة ، فقيل لهم هذا الكلام تنبيها لهم على نهاية ضلالهم وجهلهم « 7 » ، وروي أنّ رسول - صلى اللّه عليه وسلم - كان إذا قرأها قال : « بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم » « 8 » .
قوله :
« أَمَّنْ خَلَقَ »
« أم » هذه منقطعة « 9 » ، لعدم تقدّم همزة الاستفهام ولا تسوية ، و « من
خَلَقَ »
مبتدأ وخبره محذوف ، فقدّره الزمخشري : خير أمّا يشركون « 10 » ، فقدر ما « 11 » أثبت في الاستفهام الأوّل ، وهو حسن ، وقدّره ابن عطية : يكفر بنعمته ويشرك به ، ونحو هذا من المعنى « 12 » . وقال أبو الفضل الرازي : لا بدّ من إضمار جملة معادلة ، وصار ذلك المضمر كالمنطوق لدلالة الفحوى عليه ، وتقدير تلك الجملة : أم مّن خلق السّموات والأرض كمن لمن يخلق ؟ وكذلك أخواتها ، وقد أظهر في غير هذه المواضع ما أضمر فيها « 13 » ، كقوله :
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ
[ النحل : 17 ] . وقال أبو حيان :
وتسمية هذا المقدر جملة إن أراد أنّها جملة من جهة الألفاظ فصحيح « 14 » ، وإن أراد الجملة المصطلح عليها في النحو ، فليس بصحيح ، بل هو مضمر من قبيل المفرد « 15 » .
وقرأ الأعمش : « أمن » بتخفيف الميم « 16 » جعلها ( من ) الموصولة داخلة عليها همزة الاستفهام ، وفيها وجهان :
هامش
( 1 ) لأن « أم » المتصلة هي الواقعة بعد همزة التسوية ، أو همزة يطلب بها وب « أم » التعيين ، وسميت متصلة لأن ما قبلها وما بعدها لا تستغني بأحدهما عن الآخر ، وتسمى معادلة لمعادلتها للهمزة في إفادة التسوية في النوع الأول والاستفهام في النوع الثاني . انظر المغني 1 / 41 ، الهمع 2 / 132 .
( 2 ) في ب : والدام . وهو تحريف .
( 3 ) انظر مشكل إعراب القرآن 2 / 153 ، البيان 2 / 225 .
( 4 ) انظر تفسير ابن عطية 11 / 225 - 226 ، البحر المحيط 7 / 88 .
( 5 ) الكشف 2 / 163 - 164 ، الإتحاف ( 338 ) .
( 6 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .
( 7 ) انظر الفخر الرازي 24 / 205 .
( 8 ) انظر الفخر الرازي 24 / 205 ، القرطبي 13 / 121 .
( 9 ) انظر الكشاف 3 / 148 .
( 10 ) المرجع السابق .
( 11 ) في ب : فقدرنا .
( 12 ) تفسير ابن عطية 11 / 227 .
( 13 ) انظر البحر المحيط 7 / 89 .
( 14 ) في ب : صحيح .
( 15 ) البحر المحيط 7 / 89 .
( 16 ) المختصر ( 110 ) ، المحتسب 2 / 142 .