قوله تعالى :
[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 20 إلى 25 ]
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ( 20 ) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 21 ) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ( 22 ) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ( 23 ) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ( 24 )
أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ ( 25 )
قوله تعالى :
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ
الآية
« تَفَقَّدَ الطَّيْرَ »
: طلبها وبحث عنها ، والتفقد طلب ما فقد ، والمعنى طلب ما فقد من الطير ، واختلفوا فيما تفقده من أجله ، فقيل : لأنه أخل بالنوبة التي كان ينوبها « 1 » ، وقيل : لأن هندسة الماء كانت لديه ، وكان يرى الماء تحت الأرض كما يرى في الزجاجة وكان يعرف قربه وبعده في عمق الأرض « 2 » . قال سعيد بن جبير : لما ذكر ابن عباس هذا قال له نافع بن الأزرق : يا وصاف ، انظر ما يقول : إن الصبي منا يضع الفخ ويحثو عليه التراب ، فيجيء الهدهد ولا يبصر الفخ ، حتى يقع في عنقه ، فقال له ابن عباس : ويحك إذا نزل القضاء والقدر ذهب اللب وعمي البصر « 3 » ، وهذا القول فيه نظر ، لأن الجن أعرف بالأرض من الهدهد ، فإنهم سكانها ، وقيل : لأنه كان يظله من الشمس « 4 » .
قوله :
« ما لِيَ
« 5 »
لا أَرَى الْهُدْهُدَ »
، هذا استفهام توقيف « 6 » ولا حاجة إلى ادعاء القلب وأن الأصل : ما للهدهد لا أراه « 7 » ؟ إذ المعنى قوي دونه ، والهدهد معروف ، وتصغيره على هديهد ، وهو القياس ، وزعم بعض النحويين أنه تقلب ياء تصغيره ألفا ، فيقال : هداهد ، وأنشد :
3945 - كهداهد كسر الرّماة جناحه * يدعو بقارعة الطّريق هديلا « 8 »
كما قالوا : دوابّة وشوابّة ، في : دويبة وشويبة ، ورده بعضهم بأن الهداهد الحمام الكثير ترجيع الصوت « 9 » . تزعم العرب أن جارحا في زمن الطوفان اختطف فرخ حمامة
هامش
( 1 ) انظر الفخر الرازي 24 / 189 .
( 2 ) انظر البغوي 6 / 269 .
( 3 ) المرجع السابق .
( 4 ) انظر الفخر الرازي 24 / 189 .
( 5 ) لي : سقط من ب .
( 6 ) يريد استفهاما حقيقيّا يقصد منه السؤال عما يسأل عنه .
( 7 ) انظر القرطبي 13 / 179 .
( 8 ) البيت من بحر الكامل ، قاله النميري ، وهو في الخصائص 2 / 95 ، المفضليات ( 457 ) المقرب ( 436 ) ، جمهرة القرشي ( 175 ) ، اللسان ( هدد ، هدل ) ، البحر المحيط 7 / 51 . الهديل فالمراد به هنا صوت الهدهد . والشاهد فيه أن ( هداهد ) تصغير ( هدهد ) بقلب ياء التصغير ألفا .
( 9 ) انظر المقرب ( 436 - 437 ) ، اللسان ( هدد ) .