تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
وهذا الخلاف جار بعينه في سورة سبأ « 1 » . وفي قوله :
« مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ »
فيه من البديع التجانس ، وهو : تجنيس التصريف ، وهو عبارة عن انفراد كل كلمة من الكلمتين عن الأخرى بحرف « 2 » كهذه الآية ، ومثله :
« تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ »
« 3 » . وفي الحديث : « الخيل معقود بنواصيها الخير » « 4 » ، وقال آخر :
3948 - للّه ما صنعت بنا * تلك المعاجر والمحاجر « 5 »
وقال الزمخشري : وقوله
« مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ »
من جنس الكلام الذي سماه المحدثون « 6 » البديع ، وهو من محاسن الكلام الذي يتعلق باللفظ بشرط أن يجيء مطبوعا ، أو يصنعه عالم بجوهر هذا الكلام ، يحفظ معه صحة المعنى وسداده ، ولقد جاء هنا زائدا على الصحة ، فحسن وبدع لفظا ومعنى ، ألا ترى أنه لو وضع مكان : « بنبأ » : « بخبر » لكان المعنى صحيحا ، وهو كما جاء أصح لما في النبأ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال « 7 » . يريد بالزيادة : أن النبأ أخص من الخبر ، لأنه لا يقال إلا فيما له شأن من الأخبار ، بخلاف الخبر ، فإنه يطلق على ما له شأن ، وعلى ما لا شأن له ، فكلّ نبأ خبر من غير عكس . وبعضهم يعبر عن نحو :
« مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ »
في علم البديع بالترديد ، قاله صاحب التحرير « 8 » ، وقال غيره « 9 » : إن الترديد عبارة عن رد أعجاز البيوت على صدورها ، أو ردّ كلمة من النصف الأول إلى النصف الثاني ، فمثال الأول قوله :
3949 - سريع إلى ابن العمّ يلطم وجهه * وليس إلى داعي الخنا بسريع « 10 »
هامش
( 1 ) يشير إلى قوله تعالى :لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ[ سبأ : 15 ] . ( 2 ) انظر الإيضاح ( 396 - 397 ) . ( 3 ) [ غافر : 75 ] . ( 4 ) أخرجه البخاري ( مناقب ) 2 / 683 ، مسلم ( زكاة ) 2 / 683 ، ( إمارة ) 3 / 1492 - 1493 ، أبو داود ( جهاد ) 2 / 933 . ومالك ( جهاد ) 2 / 467 ، أحمد 3 / 39 ، 5 / 181 . ( 5 ) البيت من مجزوء الكامل ، لم أهتد إلى قائله ، وهو في البحر المحيط 7 / 66 . المعاجر : جمع معجر : وهو غطاء الرأس من المرأة والعمامة من الرجل . المحاجر : جمع - محجر - بكسر الميم وفتحها - : ما دار بالعين وظهر من البرقع من جميع العين . والشاهد فيه قوله : ( المعاجر والمحاجر ) فإنه جناس تصريف لاختلاف اللفظين في حرف واحد . ( 6 ) في النسختين : النحويون . والتصويب من الكشاف . ( 7 ) الكشاف 3 / 139 . ( 8 ) انظر البحر المحيط 7 / 66 ، وكتاب التحرير والتحبير لأقوال أئمة التفسير من جمع الشيخ جمال الدين أبي عبد اللّه محمد بن سليمان بن حسن بن حسين المقدسي ، عرف بابن النقيب - رحمه اللّه تعالى - هو أحد مصادر أبي حيان في كتابه البحر المحيط . ( 9 ) هو صاحب كتاب التفريع بفنون البديع . انظر البحر المحيط 7 / 66 . ( 10 ) البيت من بحر الطويل ، قاله الأقيشر الأسدي ، وهو في الإيضاح للقزويني ( 400 ) ، البحر المحيط 7 / 66 ، معاهد التنصيص 2 / 82 ، الخزانة 4 / 488 . ويروى : إلى داعي الندى . والخنا : من قبيح الكلام . والشاهد فيه رد العجز على الصدر ، وهو قوله : ( سريع . . . بسريع ) .