تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
الثاني : أنها عطف على « الصّلاة » والتقدير : وأوصاني بالصلاة ، وبأنّ اللّه ، وإليه ذهب الفراء « 1 » ، ولم يذكر مكّي « 2 » غيره ؛ ويؤيّده ما في مصحف أبيّ « وبأنّ اللّه ربّي » بإظهار الباء الجارّة ، وقد استبعد هذا القول ؛ لكثرة الفواصل بين المتعاطفين ، وأمّا ظهور الباء في مصحف أبيّ ؛ فلا يرجّح هذا ؛ لأنها باء السببية ، والمعنى : بسبب أنّ اللّه ربّي وربّكم فاعبدوه ، فهي كاللّام . الثالث : أن تكون « أنّ » وما بعدها نسقا على « أمرا » المنصوب ب « قضى » والتقدير : وإذا قضى أمرا ، وقضى أنّ اللّه ربّي وربّكم ، ذكر ذلك أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء ، واستبعد الناس صحّة هذا النقل عن أبي عمرو ؛ لأنّه من الجلالة في العلم والمعرفة بمنزل يمنعه من هذ القول ؛ وذلك لأنّه إذا عطف على « أمرا » لزم أن يكون داخلا في حيّز الشرط ب « إذا » وكونه تبارك وتعالى ربنا لا يتقيّد بشرط ألبتّة ، بل هو ربّنا على الإطلاق ، ونسبوا هذا الوهم لأبي عبيدة ؛ لأنه كان ضعيفا في النّحو ، وعدّوا له غلطات ، ولعلّ ذلك منها . الرابع : أن يكون في محلّ رفع خبر ابتداء مضمر ، تقديره : والأمر أنّ اللّه ربّي وربّكم ، ذكر ذلك عن الكسائيّ ، ولا حاجة إلى هذا الإضمار . الخامس : أن يكون في محلّ نصب نسقا على « الكتاب » في قوله
« قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ »
على أن يكون المخاطب بذلك معاصري عيسى - عليه صلوات اللّه - والقائل لهم ذلك عيسى ، وعن وهب : عهد إليهم عيسى : أنّ اللّه ربي وربّكم ، قال هذا القائل : ومن كسر الهمزة يكون قد عطف « إنّ اللّه » على قوله
« إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ »
فهو داخل في حيّز القول ، وتكون الجمل من قوله
« ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ »
إلى آخرها جمل اعتراض . وهذا من البعد بمكان كأنّه قال : إنّي عبد اللّه ، واللّه ربّي وربّكم ، فاعبدوه ، وهذا قول أبي مسلم « 3 » الأصفهانيّ ، وهو بعيد .

فصل في دلالة الآية

قوله :
وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ
يدلّ على أنّ مدبّر العالم ، ومصلح أمورهم هو اللّه سبحانه وتعالى [ على ] خلاف قول المنجّمين ، أنّ المدبّر للنّاس ، ومصلح أمورهم في السّعادة والشّقاوة هي الكواكب ، ويدلّ أيضا على أنّ الإله واحد ؛ لأنّ لفظ « اللّه » اسم علم له سبحانه ، لا إله إلا هو ، فلمّا قال :
وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ ،
أي : لا ربّ للمخلوقات سوى اللّه ؛ وذلك يدلّ على التّوحيد . وقوله « فاعبدوه » قد ثبت في أصول الفقه أنّ ترتيب الحكم على الوصف المناسب
هامش
( 1 ) ينظر : معاني القرآن للفراء 2 / 168 . ( 2 ) ينظر : المشكل 2 / 57 . ( 3 ) ينظر : الفخر الرازي 21 / 187 .