تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
مشعر بالعليّة ، فهاهنا وقع الأمر بالعبادة مرتّبا على ذكر وصف الربوبيّة ، فدلّ على أنّه إنّما يلزمنا عبادته سبحانه ؛ لكونه ربّا لنا ؛ وذلك يدلّ على أنه تعالى إنّما تجب عبادته لكونه منعما على الخلائق بأنواع النّعم ؛ ولذلك فإنّ إبراهيم - صلوات اللّه عليه وسلامه - لمّا منع أباه من عبادة الأوثان ، قال :
لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
[ مريم : 42 ] أي : إنّها لما لم تكن منعمة على العباد ، لم تجز عبادتها ، وبيّن هاهنا أنّه لما ثبت أن اللّه تعالى لمّا كان ربّا ومربّيا ، وجبت عبادته ، فقد ثبت طردا وعكسا تعلّق العبادة بكون المعبود منعما ، ثم قال :
هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
[ يعنى القول بالتوحيد ونفي الولد والصاحبة صراط مستقيم ، وسمي هذا القول صراطا مستقيما ] « 1 » تشبيها بالطّريق ؛ لأنّه المؤدّي إلى الجنة . قوله تعالى :

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 37 إلى 40 ]

فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 37 ) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 38 ) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 39 ) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ( 40 ) قوله تعالى :
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ .
قيل : المراد النّصارى ، سمّوا أحزابا ؛ لأنهم تحزّبوا ثلاث فرق في أمر عيسى : النّسطوريّة ، والملكانيّة [ واليعقوبيّة ] « 2 » وقيل : المراد بالأحزاب الكفّار بحيث يدخل فيهم اليهود ، والنصارى ، والكفّار الذين كانوا في زمان محمّد - صلوات اللّه وسلامه عليه - وهذا هو الظاهر ؛ لأنّه تخصيص فيه ، ويؤيّده قوله تعالى :
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا .
قوله :
مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ :
« مشهد » مفعل : إمّا من الشّهادة ، وإمّا من الشّهود ، وهو الحضور ، و « مشهد » هنا : يجوز أن يراد به الزمان ، أو المكان ، أو المصدر : فإذا كان من الشهادة ، والمراد به الزمان ، فتقديره : من وقت شهادة ، وإن أريد به المكان ، فتقديره : من مكان شهادة يوم ، وإن أريد به المصدر ، فتقديره : من شهادة ذلك اليوم ، وأن تشهد عليهم ألسنتهم ، وأيديهم ، وأرجلهم ، والملائكة ، والأنبياء ، وإذا كان من الشهود ؛ وهو الحضور ، فتقديره : من شهود الحساب والجزاء يوم القيامة ، أو من مكان الشّهود فيه ، وهو الموقف ، أو من وقت الشّهود ، وإذا كان مصدرا بحالتيه المتقدمتين ، فتكون إضافته إلى الظرف من باب الاتّساع ؛ كقوله
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
[ الفاتحة : 4 ] . ويجوز أن يكون المصدر مضافا لفاعله على أن يجعل اليوم شاهدا عليهم : إمّا حقيقة ، وإمّا مجازا . ووصف ذلك المشهد بأنّه عظيم ؛ لأنّه لا شيء أعظم ممّا يشاهد ذلك اليوم من أهواله .
هامش
( 1 ) سقط من : أ . ( 2 ) في ب : والمار يعقوبية .