تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
قوله :
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ :
هذا لفظ أمر ، ومعناه : التعجّب ، وأصحّ الأعاريب فيه ، كما تقرّر في علم النّحو : أنّ فاعله هو المجرور بالباء ، والباء زائدة ، وزيادتها لازمة ؛ إصلاحا للفظ ؛ لأنّ « أفعل » أمرا لا يكون فاعله إلّا ضميرا مستترا ، ولا يجوز حذف الباء إلّا مع أن وأنّ ؛ كقوله : [ الطويل ]
3606 - تردّد فيها ضوؤها وشعاعها * فأخصن وأزين لامرىء أن تسربلا « 1 »
أي : بأن تسربل ، فالمجرور مرفوع المحلّ ، ولا ضمير في « أفعل » ولنا قول ثان : أن الفاعل مضمر ، والمراد به المتكلّم ؛ كأنّ المتكلم يأمر نفسه بذلك ، والمجرور بعده في محلّ نصب ، ويعزى هذا للزّجّاج . ولنا قول ثالث : أن الفاعل ضمير المصدر ، والمجرور منصوب المحلّ أيضا ، والتقدير : أحسن ، يا حسن ، بزيد ، ولشبه هذا الفاعل عند الجمهور بالفضلة لفظا ، جاز حذفه للدّلالة عليه كهذه الآية ، فإنّ تقديره : وأبصر بهم ، وفيه أبحاث موضوعها كتب النّحو .

فصل في التعجب

قالوا : التعجّب استعظام الشئ ، مع الجهل ؛ بسبب عظمه ، ثم يجوز استعمال لفظ التعجّب عند مجرّد الاستعظام من غير خفاء السّبب ، أو من غير أن تكون العظمة سبب حصوله . قال الفرّاء : قال سفيان : قرأت عن شريح :
بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ
[ الصافات : 12 ] فقال : إنّ اللّه لا يعجب من شيء ، إنما يعجب من لا يعلم ، قال : فذكرت ذلك لإبراهيم النخعيّ - رضي اللّه عنه - فقال : إنّ شريحا شاعر يعجبه علمه ، وعبد اللّه أعلم بذلك منه قرأها
بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ .
ومعناه : أنّه صدر من اللّه تعالى فعل ، لو صدر مثله عن الخلق ، لدلّ على حصول التعجّب في قلوبهم ، وبهذا التأويل يضاف المكر والاستهزاء إلى اللّه تعالى ، وإذا عرفت هذا ، فللتعجّب صيغتان : إحداهما : ما أفعله ، والثانية أفعل به . كقوله تعالى :
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ
والنحويّون ذكروا له تأويلان : الأول : قالوا : أكرم بزيد ، أصل « أكرم زيد » أي : صار ذا كرم ، ك « أغدّ البعير » أي : صار ذا غدّة ، إلّا أنه خرج على لفظ الأمر ، ومعناه الخبر ، كما أخرج على لفظ الأمر ما معناه الخبر ، كما أخرج على لفظ الخبر ما معناه الأمر ؛ كقوله سبحانه وتعالى :
هامش
( 1 ) البيت لأوس بن حجر ، ينظر : ديوانه 84 ، المقرب 1 / 77 ، الهمع 2 / 90 ، الدرر 2 / 120 ، التهذيب واللسان « عزل » ، الدر المصون 4 / 507 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 68 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب