تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
والمعنى : أنّ ثبوت الولد له محال ، فقوله :
ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ
كقولنا : ما كان للّه أن يكون له ثان وشريك ، أي : لا يصحّ ذلك ، ولا ينبغي ، بل يستحيل ؛ فلا يكون نفيا على الحقيقة ، وإن كان بصورة النّفي . وقيل : اللّام منقولة ، أي : ما كان ليتّخذ من ولد ، والمراد : ما كان اللّه أن يقول لأحد : إنّه ولدي ؛ لأنّ مثل [ هذا ] الخبر كذب ، والكذب لا يليق بحكمة اللّه تعالى وكماله ، فقوله :
ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ
كقولنا : ما كان للّه أن يظلم ، أي : لا يليق بحكمته ، وكمال إلهيّته . قوله تعالى :
إِذا قَضى أَمْراً
إذا أراد أن يحدث أمرا ،
فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ،
وهذا كالحجّة على تنزيهه عن الولد ، وبيانه : أن الّذي يجعل للّه ولدا ، إما أن يكون الولد قديما أزليّا ، أو محدثا ، فإن كان أزليّا ، فهو محال ؛ لأنّه [ لو كان واجبا لذاته ، لكان واجب الوجود أكثر من واحد ، ] « 1 » ولو كان [ ممكنا ] « 2 » لذاته ، لافتقر في وجوده إلى الواجب لذاته ؛ لأنّ الواجب لذاته غنيّ لذاته ، فلو كان مفتقرا في وجوده إلى الواجب لذاته ، كان ممكنا لذاته ، والممكن لذاته محتاج لذاته ، فيكون عبدا له ؛ لأنّه لا معنى للعبوديّة إلّا ذلك . وإن كان الولد محدثا ، فيكون وجوده بعد عدمه بخلق ذلك القديم ، وإيجاده ، وهو المراد من قوله تعالى :
إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ .
فيكون عبدا ، لا ولدا ؛ فثبت أنه يستحيل أن يكون للّه ولد .

فصل في قدم كلام اللّه تعالى

دلّت هذه الآية على قدم كلام اللّه تعالى ؛ لأنّه إذا أراد إحداث شيء ، قال له :
كُنْ فَيَكُونُ
فلو كان بقوله : « كن » محدثا ، لافتقر حدوثه إلى قول آخر ، ولزم التّسلسل ؛ وهو محال ؛ فثبت أنّ قول اللّه تعالى ، قديم ، لا محدث . واحتج المعتزلة بالآية على حدوث كلام اللّه تعالى من وجوه : أحدها : أنه تعالى أدخل كلمة « إذا » وهي دالّة على الاستقبال ؛ فوجب ألّا يحصل ذلك القول إلّا في الاستقبال . ثانيها : أنّ « الفاء » للتعقيب ، و « الفاء » في قوله :
« فَإِنَّما يَقُولُ »
يدلّ على تأخير ذلك القول عن ذلك القضاء والمتأخّر عن غيره محدث . وثالثها : « الفاء » في قوله « فيكون » يدلّ على حصول ذلك الشيء عقيب ذلك القول من غير فصل ؛ فيكون قول اللّه تعالى متقدّما على حدوث الحادث تقديما بلا فصل ،
هامش
( 1 ) في أ : يكون ولا حياء ذاته ، ولو كان واجبا لذاته . ( 2 ) في ب : واجبا .