تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 533

مساهمون:

ص٥٣٣

فصل [ في معنى قوله : « أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ »

] « 1 » اعلم أنّ القوم لمّا قالوا له
« أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ »
طلبوا منه الاعتراف بذلك ، ليقدموا على إيذائه ، فقلب الأمر عليهم وقال :
« بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا » ،
وكان قد علق الفأس في رقبته « 2 » ، وأراد بذلك إقامة الحجة عليهم وإظهار جهلهم في عبادة الأوثان ، وقال :
« فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ »
واعلم أنّ للناس هاهنا قولان : الأول : قول كافة المحققين ، وهو أنّ قول إبراهيم - عليه السلام « 3 » -
« بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا »
من قبيل التعريض ، وهو من وجوه : أحدها : أنّ قصد إبراهيم - عليه السلام « 6 » - تقرير الفعل لنفسه على أسلوب تعريضيّ « 4 » ، وليس قصده نسبة الفعل إلى الصنم ، وهذا كما لو قال صاحبك وقد كتبت كتابا بخط رشيق ، وأنت شهير بحسن الخط ، ولا يقدر هو إلا على خرمشة « 5 » فاسدة : أأنت كتبت هذا ، فقلت له : بل كتبته أنت ، وكأن قصدك بهذا تقريره لك مع الاستهزاء لا نفيه عنك وإثباته للأمي أو المخرمش ، لأن إثباته والأمر دائر بينهما للعاجز منهما استهزاء وإثبات للقادر . وثانيها : أنّ إبراهيم - عليه السلام « 6 » - غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة ، وكان غيظه من كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له ، فأسند الفعل إليه لأنه هو السبب في استهانته لها وحطمه لها « 7 » ، والفعل كما يسند إلى مباشره يسند إلى الحامل عليه . وثالثها : أن يكون حكاية لما يلزم عن مذهبهم كأنه قال لهم : ما تنكرون أن يفعله كبيرهم ، فإنّ حق من يعبد ، ويدعى إلها أن يقدر على هذا أو أشد منه ذكر هذه الأوجه الثلاثة الزمخشري « 8 » . ورابعها : ما تقدم عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله « كبيرهم » ثم يبتدئ فيقول :
« هذا فَسْئَلُوهُمْ »
. والمعنى : بل فعله كبيرهم ، وعنى نفسه ، لأنّ الإنسان أكبر من كل صنم ، وأنه كناية عن غير مذكور ، أي : فعله من فعله و « كبيرهم » ابتداء كلام . وخامسها : قال الطّيبي « 9 » معناه على التقديم والتأخير ، أي بل فعله كبيرهم إن كانوا
هامش
( 1 ) هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ببعض من التصرف 22 / 185 . ( 2 ) في ب : زقبته . وهو تصحيف . ( 3 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 4 ) في الأصل : تعريض . ( 5 ) الخرمشة : إفساد الكتاب والعمل ، اللسان ( خرمش ) . ( 6 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 7 ) في الأصل : وحكمه لهما . وهو تحريف . ( 8 ) انظر الكشاف 3 / 15 . ( 9 ) في الأصل : القسي ، وفي ب : الليث . والصواب ما أثبته . وهو الحسن بن محمد بن عبد اللّه الطيبي - بكسر الطاء - الإمام المشهور العلامة في المعقول والعربية والمعاني والبيان . صنف شرح الكشاف ، التفسير ، التبيان في المعاني والبيان ، شرحه ، شرح المشكاة . مات سنة 540 ه . بغية الوعاة 1 / 522 - 523 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 533 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب