إحدى التاءين إمّا الأولى على رأي هشام « 1 » ، وإمّا الثانية على رأي البصريين « 2 » وينصرها قراءة الجميع
« فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ »
« 3 » ، ولم يقرأ أحد « تولّوا » وهي قياس « 4 » قراءة الناس هنا ، وعلى كلتا القراءتين فلام الكلمة محذوفة ، وهو « 5 » الياء ، لأنه من « ولّى » ، ومتعلق هذا الفعل محذوف تقديره : تولوا إلى عيدكم ونحوه « 6 » . فإن قيل : الكيد ضرر الغير بحيث لا يشعر به ولا يتأتى ذلك في الأصنام فكيف قال :
« لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ »
؟
فالجواب : توسعا لما كان عندهم أنّ الضرر يجوز عليها ، وقيل : المراد لأكيدنكم في أصنامكم لأنه بذلك الفعل أنزل بهم الغم « 7 » .
قوله :
« فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً »
. قرأ العامة « جذاذا » « 8 » بضم الجيم ، والكسائي بكسرها « 9 » وابن عباس وأبو نهيك وأبو السمال بفتحها « 10 » . قال قطرب : هي في لغاتها كلها مصدر ، فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث « 11 » والظاهر أنّ المضموم اسم للشيء المكسر كالحطام والرفات والفتات بمعنى « 12 » الشيء المحطم والمفتت « 13 » . وقال اليزيدي : المضموم جمع جذاذة بالضم نحو زجاج في زجاجة « 14 » ، والمكسور جمع جذيذ نحو كرام في كريم « 15 » .
وقال بعضهم : المفتوح مصدر بمعنى المفعول أي : مجذوذين . ويجوز على هذا أن يكون على حذف مضاف أي : ذوات جذاذ « 16 » .
هامش
( 1 ) هو هشام بن معاوية الضرير ، أبو عبد اللّه النحوي الكوفي ، أحد أعيان أصحاب الكسائي ، صنف مختصر النحو ، الحدود ، القياس . مات سنة 209 ه بغية الوعاة 2 / 328 .
( 2 ) احتج هشام بأن الثانية تدل على معنى هو المطاوعة وحذفها يخل بذلك ، واحتج البصريون بأن الثقل حصل بالثانية وهي قريبة من الطرف وبأن الأولى تدل على المضارعة وحذفها يضيع المقصود منها .
انظر الإنصاف 2 / 648 - 650 ضياء السالك 4 / 423 ، شرح التصريح 2 / 401 ، الأشموني 4 / 351 .
( 3 ) [ الصافات : 90 ] . وانظر الكشاف 3 / 14 ، البحر المحيط 6 / 322 .
( 4 ) قياس : سقط من ب .
( 5 ) في ب : وهي .
( 6 ) انظر البحر المحيط 6 / 322 .
( 7 ) انظر الفخر الرازي 22 / 182 .
( 8 ) جذاذا : سقط من ب .
( 9 ) السبعة : ( 429 ) الكشف 2 / 112 ، النشر 2 / 324 ، الإتحاف ( 311 ) .
( 10 ) المختصر ( 92 ) المحتسب 2 / 64 . البحر المحيط 6 / 322 .
( 11 ) المحتسب 2 / 64 ، حيث قال ابن جني : ( وكذلك روينا عن قطرب : جذّ الشيء يجذّه جذّا وجذاذا وجذاذا وجذاذا ) وانظر أيضا البحر المحيط 6 / 322 .
( 12 ) في ب : وبمعنى .
( 13 ) انظر البحر المحيط 6 / 322 .
( 14 ) البحر المحيط 6 / 322 .
( 15 ) وذلك أن ( فعال ) من أمثلة جمع الكثرة ، ومما يطرد فيه كل ما كان على وزن فعيل أو فعيلة وصفا للفاعل صحيح اللام نحو كريم وكريمة ، وظريف وظريفة تقول في جمعها : كرام وظراف . انظر البحر المحيط 6 / 322 ، وشرح الأشموني 4 / 135 .
( 16 ) انظر التبيان 2 / 920 .