والثاني : أن مدار كلامكم في هذه الشبهات على حرف واحد ، وهو أن التكاليف « 1 » كلها تكليف ( بما لا يطاق ) « 2 » فلا يجوز من الحكيم أن يوجهها على العباد ، فيرجع حاصل هذه الشبهات إلى أنه يقال للّه « 3 » تعالى : لم كلفت عبادك ، إلا أنّا قد بيّنا أنه سبحانه
« لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ » ،
فظهر بهذا أن قوله :
« لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ »
أصل لقوله :
« وَهُمْ يُسْئَلُونَ »
فتأمل هذه الدقائق العجيبة لتقف على طرف من أسرار علم القرآن . فإن قيل :
« وَهُمْ يُسْئَلُونَ »
متأكد بقوله :
« فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ »
« 4 » وبقوله :
« وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ »
« 5 » إلا أنّه يناقضه قوله :
« فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ »
« 6 » .
فالجواب : أن يوم القيامة طويل وفيه مقامات ، فيصرف كل واحد من السلب والإيجاب إلى مقام دفعا للتناقض « 7 » .
فصل « 8 » قالت المعتزلة : ( فيه وجوه :
أحدها ) « 9 » : أنه تعالى لو كان هو الخالق للحسن « 10 » والقبيح لوجب أن يسأل عما يفعل ، بل كان يذم بما من حقه الذم ، كما يحمد بما « 11 » من حقه الحمد .
وثانيها : أنه يجب أن يسأل « 12 » عن المأمور به إذ لا فاعل « 13 » سواء .
وثالثها : أنه لا يجوز أن يسألوا عن عملهم إذ لا عمل لهم .
ورابعها : أن عملهم لا يمكنهم أن يعدلوا عنه من حيث إنه خلقه وأوجده فيهم .
وخامسها : أنه تعالى صرح في كثير من المواضع أنه يقبل حجة العباد لقوله :
« رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ »
« 14 »
وهذا يقتضى أن لهم عليه حجة قبل بعثة الرسل ، وقال :
« وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا »
« 15 » ونظائر هذه الآيات كثيرة ، وكلها تدل على أن حجة العبد متوجهة على اللّه تعالى .
والجواب هو « 16 » المعارضة بمسألة الداعي ومسألة العلم ثم بالوجوه المتقدمة التي بينا فيها أنه يستحيل طلب علّيّة أفعال اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) في ب : التكليف . وهو تحريف .
( 2 ) ما بين القوسين سقط من ب .
( 3 ) في ب : اللّه .
( 4 ) [ الحجر : 92 ] .
( 5 ) [ الصافات : 24 ] .
( 6 ) [ الرحمن : 39 ] .
( 7 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 22 / 156 - 157 .
( 8 ) هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 22 / 157 - 158 .
( 9 ) ما بين القوسين تكملة من الفخر الرازي .
( 10 ) في ب : المحسن . وهو تحريف .
( 11 ) بما : سقط من الأصل .
( 12 ) في الأصل : أنه لا يجب أن يسأل .
( 13 ) في ب : فاعلي . وهو تحريف .
( 14 ) [ النساء : 165 ] .
( 15 ) [ طه : 134 ] .
( 16 ) في ب : هي . وهو تحريف .