تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١
يكن اللّه معهم فالفساد لازم . ولما بطل حمله على الاستثناء ثبت ما ذكرنا « 1 » . وهو أن المعنى : لو كان في السماء والأرض آلهة غير اللّه لفسدتا ، أي لخربتا ، وهلك من فيهما بوجود التمانع من الآلهة ، لأن كل أمر صدر عن اثنين فأكثر لم يجر على النظام « 2 » . ويدل العقل على ذلك من وجوه : الأول : أنا لو قدرنا إلهين لكان أحدهما إذا انفرد صح منه تحريك الجسم وإذا انفرد الثاني صح منه تسكينه « 3 » ، فإذا اجتمعا وجب أن يبقيا على ما كان عليه حال الانفراد ، فعند الاجتماع يصح أن يحاول أحدهما التحريك والآخر التسكين فإما أن يحصل المرادان ، وهو محال ، وإما أن يمتنعا وهو أيضا محال ، لأنه يكون كل واحد منهما عاجزا ، وأيضا المانع من تحصيل مراد كل واحد منهما مراد الآخر ، والمعلول لا يحصل إلا مع علته ، فلو امتنع المرادان لحصلا ، وذلك محال وإما أن يمتنع أحدهما دون الثاني ، وذلك أيضا محال ، لأن الممنوع يكون عاجزا ، والعاجز لا يكون إلها ، ولأنه لما كان كل واحد منهما مستقلا بالإيجاد لم يكن عجز أحدهما أولى من عجز الآخر ، فثبت أن القول بوجود إلهين يوجب هذه الأقسام الفاسدة فكان القول به باطلا . الوجه الثاني : أن الإله يجب أن يكون قادرا على جميع الممكنات ، فلو فرضنا الإلهين لكان « 4 » كل واحد منهما قادرا على جميع الممكنات ، فإذا أراد كل واحد منهما تحريك جسم فتلك الحركة إما أن تقع بهما معا « 5 » ولا تقع بواحد منهما أو تقع بواحد منهما أو تقع بأحدهما دون الثاني ، والأول محال ، لأن الأثر مع المؤثر المستقل واجب الحصول ، ووجوب حصوله به يمنع من استناده إلى الثاني ، فلو اجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان يلزم أن يستغني بكل واحد منهما عن كل واحد منهما ، فيكون محتاجا إليهما ، وغنيّا عنهما وهو محال ، وإما أن لا يقع بواحد منهما البتة ، فهذا يقتضي كونهما عاجزين ، وأيضا فامتناع وقوعه بهذا إنما يكون لأجل وقوعه بذاك وبالضد ، فلو امتنع وقوعه بهما لوقع بهما معا وهو محال ، وإما أن يقع بأحدهما دون الثاني فهو باطل ، لأن وقوعه بهذا يلزم فيه رجحان أحد الإلهين على الآخر من غير مرجح ، وهو محال . الوجه الثالث : لو قدرنا إلهين فإما أن يتفقا أو يختلفا ، فإن اتفقا على الشيء الواحد فذلك الواحد مقدور لهما ومراد لهما فيلزم وقوعه بهما وهو محال ، وإن اختلفا فإما أن يقع المرادان أو لا يقع واحد منهما ، أو يقع أحدهما دون الآخر والكل محال ، فثبت أن الفساد لازم على كل التقديرات « 6 » . وذكروا وجوها أخر عقلية وفي هذا كفاية .
هامش
( 1 ) انظر الفخر الرازي 22 / 150 . ( 2 ) انظر البغوي 5 / 480 . ( 3 ) في ب : تسكين الجسم . ( 4 ) في ب : لو أن . وهو تحريف . ( 5 ) في ب : أو . وهو تحريف . ( 6 ) انظر الفخر الرازي 22 / 150 - 153 بتصرف .