تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
ثم إنه تعالى نزه نفسه فقال :
« فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ »
أي : عما يصفه به المشركون من الشرك والولد « 1 » . فإن قيل : أي فائدة لقوله تعالى :
« رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ » .
فالجواب : أن هذه المناظرة وقعت مع عبدة الأصنام ، وهي أنه كيف يجوز للعاقل أن يجعل الجماد الذي لا يعقل ولا يحس شريكا في الإلهية لخالق العرش العظيم وموجد السماوات والأرضين « 2 » . قوله :
« لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ »
اعلم أن أهل السنة « 3 » استدلوا على أنه تعالى لا يسأل عما يفعل بأمور : أحدها : أنه لو كان كل شيء معللا بعلة كانت تلك العلة « 4 » معللة بعلة أخرى ولزم التسلسل ، فلا بد في قطع التسلسل من الانتهاء إلى ما يكون غنيا عن العلة ، وأولى الأشياء بذلك ذات اللّه تعالى ، وصفاته مبرأة عن الافتقار إلى المبدع المخصص ، فكذا فاعليته يجب أن تكون مقدسة عن « 5 » الاستناد إلى الموجب والمؤثر . وثانيها : أن فاعليته لو كانت معللة بعلة لكانت تلك العلة إما أن تكون واجبة أو ممكنة ، فإن كانت واجبة لزم من وجوبها وجوب كونها فاعلا ، وحينئذ يكون موجبا بالذات لا فاعلا باختيار . وإن كانت ممكنة كانت تلك العلة فعلا للّه تعالى فتفتقر فاعليته لتلك العلة إلى علة أخرى ولزم التسلسل وهو محال . وثالثها : أن علة فاعلية اللّه تعالى للعالم إن كانت قديمة لزم أن تكون فاعليته للعالم قديمة ، فيلزم قدم العالم وإن كانت محدثة افتقرت « 6 » إلى علة أخرى ولزم التسلسل . ورابعها : أنه إن فعل فعلا لغرض فإما أن يكون متمكنا من تحصيل ذلك الغرض بدون تلك الواسطة ، أو لا يكون متمكنا منه . فإن كان متمكنا منه كان توسط تلك الواسطة عبثا . وإن لم يكن متمكنا منه كان عاجزا ، والعجز على اللّه تعالى محال ، وأما العجز علينا فغير ممتنع ، فلذلك كانت أفعالنا معللة بالأغراض وذلك في حق اللّه تعالى « 7 » محال . وخامسها : لو كان فعله معللا بغرض لكان ذلك الغرض إما أن يكون عائدا إلى اللّه تعالى أو إلى العباد ، والأول محال ، لأنه منزه عن النفع والضر ، وإذا بطل ذلك تعين أن الغرض لا بد وأن يكون عائدا إلى العباد ، ولا غرض للعباد إلا حصول اللذة وعدم حصول الآلام ، واللّه تعالى قادر على تحصيلها ابتداء « 8 » من غير واسطة ، وإذا كان كذلك استحال أن يفعل شيئا لأجل شيء .
هامش
( 1 ) انظر البغوي 5 / 480 . ( 2 ) انظر الفخر الرازي 22 / 154 - 155 . ( 3 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 22 / 155 - 156 . ( 4 ) في الأصل : الصلة . وهو تحريف . ( 5 ) في ب : إلى . ( 6 ) في ب : افتقر . ( 7 ) تعالى : سقط من ب . ( 8 ) ابتداء : سقط من ب .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 472 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب