قوله : « إذا هم » : « إذا » هذه فجائية ، وتقدم الخلاف فيها « 1 » .
و « هم » مبتدأ ، و « يركضون » خبره « 2 » . وتقدم أول الكتاب « 3 » أن أمثال هذه الآية دالة على أن « لمّا » « 4 » ليست ظرفية « 5 » بل حرف وجوب لوجوب « 6 » ، لأن الظرف لا بد له من عامل ، ولا عامل هنا ، لأن ما بعد « إذا » لا يعمل فيما قبلها . والجواب أنه عمل فيها معنى المفاجأة المدلول عليه ب « إذا » « 7 » .
والضمير في « منها » يعود على « قرية » ، ويجوز أن يعود على « بأسنا » لأنه في معنى النقمة والبأساء ، فأنث الضمير حملا على المعنى « 8 » . و « من » على الأول « 9 » لابتداء الغاية ، وللتعليل على الثاني « 10 » .
قوله : « لا تركضوا » أي : قيل لهم : لا تركضوا ، أي لا تهربوا . قال الزمخشري :
القول محذوف ، فإن قلت : من القائل ؟ قلت : يحتمل أن يكون بعض الملائكة ، أو من « 11 » ثم من المؤمنين ، أو يكون خلقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يقل ، أو يقوله رب العزة ويسمعه ملائكته لينفعهم في دينهم « 12 » . أو يلهمهم ذلك فيحدثوا به نفوسهم « 13 » .
هامش
( 1 ) عند قوله تعالىفَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ[ الأنعام : 44 ] ، وذكر هناك : إذا هي الفجائية ، وفيها ثلاثة مذاهب :
مذهب سيبويه أنها ظرف مكان ، ومذهب جماعة منهم الرياشي أنها ظرف زمان ، ومذهب الكوفيين أنها حرف ، فعلى تقدير كونها ظرفا زمانا أو مكانا فالناصب لها خبر المبتدأ ، أي : ألبسوا في مكان إقامتهم أو زمانها . انظر اللباب 3 / 417 .
( 2 ) انظر التبيان 2 / 913 .
( 3 ) عند قوله تعالى :وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ[ البقرة : 89 ] انظر اللباب 1 / 120 .
( 4 ) في ب : على أنها .
( 5 ) قال بظرفيتها ابن السراج وتبعه الفارسي وابن جني وجماعة ، فهي عندهم ظرف بمعنى ( حين ) ، وقال ابن مالك « إذ » وهو حسن ، لأنها مختصة بالماضي وبالإضافة إلى الجملة ، والعامل فيها على الظرفية جوابها . انظر المغني 1 / 380 ، الهمع 1 / 215 .
( 6 ) وهو رأي الجمهور ، لأنها عندما تدخل على الماضي تقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما نحو لما جاءني أكرمته . ويكون جوابها فعلا ماضيا اتفاقا نحو قوله تعالى :فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ[ الإسراء : 67 ] وجملة اسمية مقرونة ب « إذا » الفجائية نحو قوله تعالى :فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ[ العنكبوت : 65 ] . أو بالفاء عند ابن مالك نحو قوله تعالى :فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ[ لقمان : 32 ] ، وقيل : إن الجواب محذوف ، أي انقسموا قسمين فمنهم مقتصد .
وفعلا مضارعا عند ابن عصفور نحو قوله تعالى :فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا[ هود : 74 ] ، وهو مؤول بجادلنا وقيل إن الجواب ( جاءته البشرى ) على زيادة الواو ، أو محذوف ، أي : أقبل يجادلنا . انظر المغني 1 / 280 - 281 .
( 7 ) هذا الجواب يدل على أن ابن عادل أخذ برأي ابن السراج ومن تبعه في أن ( لمّا ) ظرفية .
( 8 ) انظر البحر المحيط 6 / 300 .
( 9 ) وهو عود الضمير على « قرية » .
( 10 ) وهو عود الضمير على « بأسنا » .
( 11 ) في النسختين : ومن . والتصويب من الكشاف .
( 12 ) دينهم : سقط من الأصل .
( 13 ) الكشاف 3 / 5 .