تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
الاختصار ما قدروا عليه ، إذ لا شك أنّ الإعادة ثانيا أهون من الإيجاد أولا ، ونظيره قوله تعالى
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
« 1 » ، وقوله « 2 » :
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
« 3 » واحتجوا بهذه الآية على أنّ المعدوم ليس بشيء ، وهو ضعيف ؛ لأن الإنسان عبارة عن مجموع جواهر متألفة قامت بها أعراض ، وهذا المجموع ما كان شيئا ، ولكن لم قلت : إن كل واحد من تلك الأجزاء ما كان شيئا قبل « 4 » كونه موجودا فإن قيل : كيف أمر اللّه - تعالى - الإنسان بالتذكر مع أنّ التذكر هو العلم بما علمه من قبل ثم تخللهما سهو ؟ . فالجواب : المراد أو لا « 5 » يتفكر فيعلم خصوصا إذا قرىء « 6 » « أو لا يذّكّر » مشددا « 7 » ، أما إذا قرىء « 8 » « أو لا يذكر » مخففا « 9 » ، فالمراد أو لا يعلم ذلك من حال نفسه لأنّ كل أحد يعلم أنه لم يكن حيّا في الدنيا ثم صار حيّا « 10 » . ثم إنه تعالى لما قرر المطلوب بالدليل « 11 » أردفه بالتشديد « 12 » فقال
فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ
أي : لنجمعنهم في المعاد ، يعنى المشركين المنكرين للبعث مع الشياطين ، وذلك أنه يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة . وفائدة القسم أمران : أحدهما « 13 » : أنّ العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين . والثاني : أنّ في إقسام اللّه - تعالى - باسمه « 14 » مضافا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رفعا « 15 » منه لشأنه كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله :
فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ
« 16 » . والواو في « والشّياطين » يجوز أن تكون للعطف « 17 » ، وبمعنى « مع » وهي بمعنى « مع » « 18 » أوقع « 19 » . والمعنى ، أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغروهم .
ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ
أي : نحضرهم على أذل صورة لقوله : « جثيّا » ، لأنّ البارك على ركبتيه صورته صورة الذليل ، أو صورة العاجز « 20 » .
هامش
( 1 ) [ يس : 79 ] . ( 2 ) في ب : ومثله . ( 3 ) [ الروم : 27 ] . ( 4 ) في ب : لم يكن . ( 5 ) في ب : منتقى . وهو تحريف . ( 6 ) في الأصل : أن لا . وهو تحريف . ( 7 ) في الأصل : قرأ . ( 8 ) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي ، وسبق تخريجها . ( 9 ) وهي قراءة نافع وعاصم وابن عامر . ( 10 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 21 / 242 . ( 11 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 21 / 242 - 243 . ( 12 ) في ب : بالدليل بالتهديد . ( 13 ) في ب : الأول . ( 14 ) في الأصل : بنفسه . ( 15 ) في الأصل : رفع . ( 16 ) [ الذاريات : 23 ] . ( 17 ) في ب : للتعظيم . وهو تحريف . ( 18 ) ما بين القوسين سقط من ب . ( 19 ) على العطف تكون « الشياطين » معطوفة على الضمير في « لنحشرنّهم » ، وعلى كونها بمعنى ( مع ) يكون ما بعد الواو منصوبا على المفعول معه ، والمعنى : لنحشرنهم في صحبة الشياطين . الكشاف 2 / 418 . ( 20 ) في ب : لأن البارك على ركبته صورة الذليل أو صورة الفاجر .