تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
وقوله :
تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ
أي : هذا الذي يقولونه ، لا يحكم به عقلهم وفكرهم ألبتّة ؛ لكونه في غاية الفساد والبطلان ، فكأنّه يجري على لسانهم على سبيل التقليد
إِنْ يَقُولُونَ
، أي : ما يقولون إلّا كذبا . واختلف النّاس في حقيقة « 1 » الكذب ، فقيل : هو الخبر الذي لا يطابق المخبر عنه . وقيل : قال بعضهم : يشترط علم قائله بأنّه غير مطابق . قال ابن الخطيب « 2 » : وهذا القيد « 3 » عندنا باطل ؛ لأنّه تعالى وصف قولهم بإثبات الولد للّه بكونه كذبا مع أن الكثير منهم يقول ذلك ، ولا يعلم كونه كذبا باطلا ، فعلمنا أن كلّ خبر لا يطابق المخبر عنه ، فهو كذب ، سواء علم القائل بكونه كذبا ، أو لم يعلم . ويمكن أن يجاب بأنّ اللّه تعالى ، إنما وصف علماءهم المحرّفين للكلم عن مواضعه ، ودخل المقلّدون على سبيل التّبع عليه .

فصل في الرد على النظّام

احتجّ النظّام على أنّ الكلام جسم بهذه « 4 » الآية ، قال : لأنّه تعالى وصف الكلمة بأنّها تخرج من أفواههم ، والخروج عبارة عن الحركة ، والحركة لا تصحّ إلّا على الأجسام ، وأجيب : بأنّ الحروف والأصوات إنّما تحدث بسبب خروج النفس من الحلق ، فلما كان خروج النّفس سببا لحدوث الكلمة ، أطلق لفظ الخروج على الكلمة . قوله تعالى :

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 6 ]

فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ( 6 ) والمقصود منه أنّه قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : لا يعظم حزنك وأسفك « 5 » ؛ بسبب كفرهم ؛ فإنّا بعثناك منذرا ومبشّرا ، فأما تحصيل الإيمان في قلوبهم ، فلا قدرة لك عليه ، والغرض منه تسلية الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم . ومعنى :
« باخِعٌ نَفْسَكَ »
أي : قاتل نفسك . قال الليث : بخع الرّجل نفسه إذا قتلها غيظا من شدّة وجده ، والفاء في قوله : ( فلعلّك ) قيل : جواب الشرط ، وهو قوله :
إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا
قدم عليه ، ومعناه التأخير . وقال الجمهور : جواب الشرط محذوف لدلالة قوله : « فلعلّك » . و « لعلّك » قيل : للإشفاق على بابها . وقيل : للاستفهام ، وهو رأي الكوفيّين . وقيل : للنّهي ، أي : لا تبخع .
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 21 / 67 . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق . ( 3 ) في أ : القول . ( 4 ) ينظر : الفخر الرازي 21 / 66 . ( 5 ) في أ : إساءتك .