وقوله :
تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ
أي : هذا الذي يقولونه ، لا يحكم به عقلهم وفكرهم ألبتّة ؛ لكونه في غاية الفساد والبطلان ، فكأنّه يجري على لسانهم على سبيل التقليد
إِنْ يَقُولُونَ
، أي : ما يقولون إلّا كذبا .
واختلف النّاس في حقيقة « 1 » الكذب ، فقيل : هو الخبر الذي لا يطابق المخبر عنه .
وقيل : قال بعضهم : يشترط علم قائله بأنّه غير مطابق .
قال ابن الخطيب « 2 » : وهذا القيد « 3 » عندنا باطل ؛ لأنّه تعالى وصف قولهم بإثبات الولد للّه بكونه كذبا مع أن الكثير منهم يقول ذلك ، ولا يعلم كونه كذبا باطلا ، فعلمنا أن كلّ خبر لا يطابق المخبر عنه ، فهو كذب ، سواء علم القائل بكونه كذبا ، أو لم يعلم .
ويمكن أن يجاب بأنّ اللّه تعالى ، إنما وصف علماءهم المحرّفين للكلم عن مواضعه ، ودخل المقلّدون على سبيل التّبع عليه .
فصل في الرد على النظّام
احتجّ النظّام على أنّ الكلام جسم بهذه « 4 » الآية ، قال : لأنّه تعالى وصف الكلمة بأنّها تخرج من أفواههم ، والخروج عبارة عن الحركة ، والحركة لا تصحّ إلّا على الأجسام ، وأجيب : بأنّ الحروف والأصوات إنّما تحدث بسبب خروج النفس من الحلق ، فلما كان خروج النّفس سببا لحدوث الكلمة ، أطلق لفظ الخروج على الكلمة .
قوله تعالى :
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 6 ]
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ( 6 )
والمقصود منه أنّه قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : لا يعظم حزنك وأسفك « 5 » ؛ بسبب كفرهم ؛ فإنّا بعثناك منذرا ومبشّرا ، فأما تحصيل الإيمان في قلوبهم ، فلا قدرة لك عليه ، والغرض منه تسلية الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم .
ومعنى :
« باخِعٌ نَفْسَكَ »
أي : قاتل نفسك .
قال الليث : بخع الرّجل نفسه إذا قتلها غيظا من شدّة وجده ، والفاء في قوله :
( فلعلّك ) قيل : جواب الشرط ، وهو قوله :
إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا
قدم عليه ، ومعناه التأخير .
وقال الجمهور : جواب الشرط محذوف لدلالة قوله : « فلعلّك » .
و « لعلّك » قيل : للإشفاق على بابها . وقيل : للاستفهام ، وهو رأي الكوفيّين .
وقيل : للنّهي ، أي : لا تبخع .
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 21 / 67 .
( 2 ) ينظر : المصدر السابق .
( 3 ) في أ : القول .
( 4 ) ينظر : الفخر الرازي 21 / 66 .
( 5 ) في أ : إساءتك .