تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
قوله :
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ
الآية . لما بيّن أن القرآن معجز قاهر دالّ على الصدق في قوله تعالى :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ
[ الإسراء : 88 ] . ثم حكى عن الكفار أنّهم لم يكتفوا بهذا المعجز ، بل طلبوا أشياء أخر ، ثم أجاب تعالى بأنّه لا حاجة إلى إظهار معجزات أخر ، وبيّن ذلك بوجوه كثيرة : منها : أنّ قوم موسى آتاهم تسع آيات بيّنات ، فلما جحدوا بها أهلكهم اللّه ، فكذا ههنا ، أي : أنّ المعجزات التي اقترحها قوم محمد صلى اللّه عليه وسلّم ثمّ كفروا بها ؛ فوجب إنزال عذاب الاستئصال بهم ، وذلك غير جائز في الحكمة ؛ لعلمه تعالى أنّ فيهم من يؤمن ، أو من يظهر من نسله مؤمن . لمّا تمّ هذا الجواب ، عاد إلى حال تعظيم القرآن ؛ فقال :
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ
، أي : ما أردنا بإنزاله إلّا إظهار الحقّ . قوله :
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ
: في هذا الجار ثلاثة أوجه : أحدها : أنه متعلق ب « أنزلناه » ، والباء سببية ، أي : أنزلناه بسبب الحقّ . والثاني : أنه حال من مفعول « أنزلناه » ، أي : ومعه الحقّ . فتكون الباء بمعنى « مع » قاله الفارسي ؛ كما تقول : نزل بعدّته ، وخرج بسلاحه . والثالث : أنه حال من فاعله ، أي : ملتبسين بالحق ، وعلى هذين الوجهين يتعلق بمحذوف . والضمير في « أنزلناه » الظاهر عوده للقرآن : إمّا الملفوظ به في قوله قبل ذلك
عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ
[ الإسراء : 88 ] ؛ ويكون ذلك جريا على قاعدة أساليب كلامهم ، وهو أن يستطرد المتكلم في ذكر شيء لم يسبق له كلامه أولا ، ثم يعود إلى كلامه الأول . وإمّا للقرآن غير الملفوظ أولا ؛ لدلالة الحال عليه ؛ كقوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
[ الدخان : 3 ] وقيل : يعود على موسى ؛ كقوله :
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ
[ الحديد : 25 ] ، وقيل : على الوعد ، وقيل : على الآيات التّسع ، وذكر الضمير ، وأفرده ؛ حملا على معنى الدليل والبرهان . قوله :
« وَبِالْحَقِّ نَزَلَ »
فيه الوجهان الأولان ، دون الثالث ؛ لعدم ضمير آخر غير ضمير القرآن لاحتمال أن يكون التقدير : نزل بالحقّ ؛ كما تقول : نزلت بزيد ، وعلى هذا التقدير : فالحقّ محمد صلى اللّه عليه وسلّم . وفي هذه الجملة وجهان : أحدهما : أنها للتأكيد ؛ وذلك أنه يقال : أنزلته ، فنزل ، وأنزلته فلم ينزل ؛ فجيء بقوله
« وَبِالْحَقِّ نَزَلَ »
؛ دفعا لهذا الوهم ، وقيل : ليست للتأكيد ، والمغايرة تحصل بالتغاير
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 404 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب