تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
و « ينبوعا » مفعول به ، ووزنه « يفعول » ؛ لأنه من النّبع ، والينبوع : العين تفور من الأرض .

فصل فيما يثبت صدق النبوة

اعلم أنّه تعالى لمّا بيّن بالدليل كون القرآن معجزا ، وظهر هذا المعجز على وفق دعوى محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، فحينئذ : تمّ الدليل على كونه نبيّا صادقا ؛ لأنّا نقول : إن محمدا صلى اللّه عليه وسلّم ادّعى النبوة ، وأظهر المعجزة على وفق دعواه ، وكلّ من كان كذلك ، كان نبيّا صادقا ؛ فهذا يدلّ على أنّ محمدا صلى اللّه عليه وسلّم صادق ، وليس من شرط كونه نبيّا صادقا تواتر المعجزات الكثيرة ، وتواليها ؛ لأنّا لو فتحنا هذا الباب ، للزم ألّا ينقطع فيه ، وكلما أتى الرّسول - عليه الصلاة والسلام - بمعجز ، اقترحوا عليه معجزا آخر ، ولا ينتهي الأمر فيه إلى حدّ ينقطع عنده عناد المعاندين ؛ لأنّه تعالى حكى عن الكفّار : أنهم بعد أن ظهر كون القرآن معجزا ، التمسوا من الرّسول - عليه الصلاة والسلام - ستّة أنواع من المعجزات الباهرات ، كما روى عكرمة ، عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - أنّ رؤساء أهل مكّة ، سألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وهم جلوس عند الكعبة ، فقالوا : يا محمد ، إنّ أرض مكّة ضيقة ، فسير جبالها ؛ لننتفع فيها ، وفجّر لنا ينبوعا ، أي : نهرا ، وعيونا نزرع فيها ، فقال : « لا أقدر عليه » . فقال قائل منهم : أو يكون لك جنّة من نخيل وعنب فتفجّر الأنهار خلالها تفجيرا ، فقال : « لا أقدر عليه » فقيل : أو يكون لك بيت من زخرف ، أي : من ذهب ، فيغنيك عنّا ، فقال : « لا أقدر عليه » فقيل له : أما تستطيع أن تأتي قومك بما يسألونك ؟ فقال : لا أستطيع ، فقالوا : فإذا كنت لا تستطيع الخير ، فاستطع الشّر ، فأرسل السّماء ؛ كما زعمت ، علينا كسفا « 1 » . قرأ العامة « تسقط » بإسناد الفعل للمخاطب ، و « السّماء » مفعول بها ، ومجاهد « 2 » على إسناده إلى « السّماء » فرفعها به . وقرأ « 3 » نافع ، وابن عامر ، وعاصم « كسفا » هنا ، بفتح السّين ، وفعل ذلك حفص في الشعراء [ الآية : 187 ] وفي سبأ [ الآية : 9 ] ، والباقون يسكنونها في المواضع الثلاثة ، وقرأ ابن ذكوان بسكونها في الروم « 4 » [ الآية : 48 ] ؛ بلا خلاف ، وهشام عنه الوجهان ، والباقون بفتحها .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 8 / 145 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 4 / 365 - 366 ) وزاد نسبته إلى ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم . ( 2 ) ينظر : الشواذ 77 ، والقرطبي 10 / 214 ، والبحر 6 / 78 . ( 3 ) ينظر : السبعة 385 ، والنشر 2 / 309 ، والتيسير 141 ، والحجة 410 والإتحاف 2 / 205 ، والحجة للقراء السبعة 5 / 119 ، والقرطبي 1 / 214 ، والرازي 21 / 48 ، والبحر 6 / 78 ، والدر المصون 4 / 419 . ( 4 ) ينظر : النشر 2 / 309 ، والدر المصون 4 / 419 .