تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
أحدها : أنه وقع التحدّي بكلّ القرآن ؛ كما في هذه الآية ، ووقع التحدّي بسورة واحدة ؛ كما في قوله :
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ
[ الطور : 34 ] فقوله :
وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ
يحتمل أن يكون المراد منه التحدّي ؛ كما شرحناه ، ثم إنهم مع ظهور عجزهم عن جميع هذه المراتب ، صاروا مصرّين على كفرهم . وثانيها : أن يكون المراد من « من كلّ مثل » : أنّا أخبرناهم بأنّ الذين بقوا مصرّين على الكفر ؛ مثل قوم نوح ، وعاد ، وثمود - ابتلاهم اللّه بأنواع البلاء - وشرحنا هذه الطريقة مرارا - ثم إنّ هؤلاء الأقوام - يعني أهل مكّة - لم ينتفعوا بهذا البيان ، بل أصرّوا على الكفر . وثالثها : أن يكون المراد من « من كلّ مثل » : من كلّ وجه من العبر ، والأحكام ، والوعد ، والوعيد ، وغيرها . ورابعها : أن يكون المراد ذكر دلائل التوحيد ، ونفي الشركاء في هذا القرآن مرارا كثيرة ، وذكر شبهات منكري النبوّة ، والمعاد ؛ وأجاب عنها ، ثمّ أردفها بذكر الدّلائل القاطعة على صحّة النبوة ، والمعاد ، ثم إنّ هؤلاء الكفّار لم ينتفعوا بسماعها ، بل بقوا مصرّين على الشّرك ، وإنكار النبوّة . قوله : « إلّا كفورا » مفعول به ، وهو استثناء مفرّغ ؛ لأنّه في قوة : لم يفعلوا إلّا الكفور . والمعنى :
فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ
يعني : أهل مكّة ،
إِلَّا كُفُوراً
أي : جحودا للحقّ . فإن قيل : كيف جاز :
فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً
ولا يجوز أن يقال : ضربت إلا زيدا ؟ . فالجواب : إنّ لفظة : « أبى » تفيد النّفي ؛ كأنه قيل : فلم يؤمنوا إلّا كفورا . قوله :
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ
الآية . قرأ الكوفيّون « 1 » [ « تفجر » ] بفتح التّاء ، وسكون الفاء ، وضم الجيم خفيفة ، مضارع « فجر » واختاره أبو حاتم ؛ قالوا : لأنّ الينبوع واحد ، والباقون ، بضمّ التّاء ، وفتح الفاء ، وكسر الجيم شديدة ، مضارع « فجّر » للتكثير ، ولم يختلفوا في الثانية : أنّها بالتثقيل ؛ للتصريح بمصدرها ، وقرأ الأعمش « تفجر » بضمّ التاء ، وسكون الفاء ، وكسر الجيم خفيفة ، مضارع « أفجر » بمعنى « فجر » فليس التضعيف ، ولا الهمزة معدّيين . فمن ثقّل ، أراد كثيرة الانفجار من الينبوع ، وهو وإن كان واحدا ، فلكثرة الانفجار فيه يحسن أن يثقّل ؛ كما تقول : ضرّب زيد ، إذا كثر الضّرب منه ؛ لكثرة فعله ، وإن كان الفاعل واحدا ، ومن خفّف ؛ فلأن الينبوع واحد .
هامش
( 1 ) ينظر : السبعة 384 ، والنشر 2 / 308 ، والتيسير 141 ، والإتحاف 2 / 204 ، والحجة 409 ، والحجة للقراء السبعة 5 / 118 ، والقرطبي 10 / 214 ، والبحر 6 / 77 ، والدر المصون 4 / 418 .