تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
قوله تعالى :
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
الآية . اعلم أنه تعالى نهى عن الزّنا ، وقد ذكرنا أنه يوجب اختلاط الأنساب ، وذلك يوجب منع تربية الأولاد ، ويوجب انقطاع النّسل ، وذلك مانع من دخول الناس في الوجود ، فالنّهي عن الزّنا وعن القتل يرجع حاصله إلى النّهي عن إتلاف النفوس ، فلمّا ذكره تعالى أتبعه بالنّهي عن إتلاف الأموال ؛ لأنّ أعزّ الأشياء بعد النفوس الأموال ، وأحق الناس بالنّهي عن إتلاف أموالهم هو اليتيم ؛ لأنّه لصغره ، وضعفه ، وكمال عجزه يعظم ضرره بإتلاف ماله ؛ فلهذا خصّهم اللّه تعالى بالنهي عن إتلاف أموالهم ، فقال تعالى :
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
نظيره قوله تعالى :
وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ
[ النساء : 6 ] . المراد بقوله :
إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
أي : إلّا بالتصرّف الذي ينمّيه ويكثّره . وروى مجاهد عن ابن عبّاس ، قال : إذا احتاج أكل بالمعروف ، وإذا أيسر قضاه ، فإن لم يوسر ، فلا شيء عليه « 1 » . واعلم أنّ الوليّ ، إنّما تبقى ولايته على اليتيم إلى أن يبلغ أشدّه ، وهو بلوغ النّكاح ، كما بيّنه اللّه تعالى في قوله :
وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
[ النساء : 6 ] . المراد بالأشدّ هاهنا بلوغه إلى حيث يمكنه بسبب عقله ورشده القيام بمصالح ماله ، فحينئذ تزول ولاية غيره عنه ، فإن بلغ غير كامل العقل ، لم تزل الولاية عنه . قوله تعالى :
وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ
الآية . اعلم أنّه تعالى أمر بخمسة أشياء أوّلا ، ثم نهى عن ثلاثة أشياء ، وهي الزّنا ، والقتل ، وأكل مال اليتيم ، ثمّ أتبعه بهذه الأوامر الثلاثة ، فالأول قوله تعالى :
وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ
. واعلم أنّ كلّ عقد يعقد لتوثيق أمر وتوكيده ، فهو عهد ؛ كعقد البيع والشّركة ، وعقد اليمين والنّذر ، وعقد الصلح ، وعقد النّكاح ، فمقتضى هذه الآية أنّ كلّ عهد وعقد يجري بين إنسانين ، فإنّه يجب عليهما الوفاء بذلك العقد والعهد ، إلّا إذا دلّ دليل منفصل على أنه لا يجب الوفاء به ، فمقتضاه الحكم بصحّة كل بيع وقع التراضي عليه ، وتأكّد هذا النصّ بسائر الآيات الدالة على الوفاء بالعهود والعقود ؛ كقوله عزّ وجلّ :
وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا
[ البقرة : 177 ]
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ
[ المؤمنون : 8 ]
هامش
( 1 ) تقدم في سورة النساء .