تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
النعم العظيمة ، قد يعدل عن التمسّك بشرائعه ، والرّجوع إلى بيانه ، ويقدم على ما لا فائدة فيه ، فقال :
وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ
. واختلفوا في المراد من دعاء الإنسان بالشرّ ، فقيل : المراد منه النضر بن الحارث ، حيث قال : اللّهم ، إن كان هذا هو الحقّ من عندك . فأجاب اللّه دعاءه ، وضربت رقبته ، وكان بعضهم يقول : ائتنا بعذاب اللّه ، وآخرون يقولون : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ، وإنّما فعلوا ذلك ؛ للجهل ، ولاعتقاد أن محمّدا - صلوات اللّه وسلامه عليه - كاذب فيما يقول . وقيل : المراد أنّ الإنسان في وقت الضجر يلعن نفسه ، وأهله وولده ، وماله ؛ كدعائه ربّه أن يهب له النعمة والعافية ، ولو استجاب اللّه دعاءه على نفسه في الشرّ ، كما يستجيب « 1 » له في الخير ، لهلك ، ولكنّ اللّه لا يستجيب ؛ لفضله . روي أن النبي المصطفى - صلوات اللّه وسلامه عليه - دفع إلى سودة بنت زمعة أسيرا ، فأقبل يئنّ باللّيل ، فقالت له : ما لك تئنّ ؟ فشكى ألم القدّ ، فأرخت له من كتافه ، فلمّا نامت أخرج يده ، وهرب « 2 » فلمّا أصبح النبي صلى اللّه عليه وسلّم دعا به ، فأعلم بشأنه ، فقال صلوات اللّه وسلامه عليه : اللّهمّ اقطع يدها ، فرفعت سودة - رضي اللّه عنها - يدها تتوقّع أن يقطع اللّه يدها ، فقال النّبيّ صلى اللّه عليه وسلّم : إنّي سألت اللّه أن يجعل دعائي على من لا يستحقّ عذابا من أهلي رحمة ؛ لأنّي بشر أغضب كما تغضبون « 3 » . وقيل : يحتمل أن يكون المراد أنّ الإنسان قد يبالغ في الدّعاء طلبا للشّيء ، يعتقد أنّ خيره فيه ، مع أنّ ذلك الشيء منبع لشرّه وضرره ، وهو يبالغ في طلبه ؛ لجهله بحال ذلك الشّيء ، وإنما يقدم على مثل هذا العمل ؛ لكونه عجولا مغترّا بظواهر الأمور غير متفحّص عن حقائقها ، وأسرارها . ثم قال تعالى :
وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
. قيل : المراد بهذا الإنسان آدم - صلوات اللّه وسلامه عليه - لأنه لمّا انتهت الرّوح إلى سرّته ، نظر إلى جسده ، فأعجبه ما رأى ، فذهب لينهض ، فلم يقدر ، فهو قوله جلّ ذكره :
وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
. وقيل : المراد الجنس ؛ لأنّ أحدا من النّاس لا يعرى عن عجلة ، ولو تركها ، لكان تركها أصلح له في الدّين والدّنيا ، ومعنى القولين واحد ؛ لأنّا إذا حملنا الإنسان على آدم - صلوات اللّه وسلامه عليه - فهو أبو البشر وأصلهم ، فإذا وصف بالعجلة ، كانت الصفة لازمة لأولاده . وقال ابن عبّاس - رضي اللّه عنه - : « عجولا » ضجورا لا صبر له على سرّاء ولا ضرّاء « 4 » .
هامش
( 1 ) في أ : يستجاب . ( 2 ) سقط من : أ . ( 3 ) ذكره الزمخشري في الكشاف 2 / 651 . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 8 / 45 ) وذكر البغوي في « تفسيره » ( 3 / 107 ) .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 220 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب