تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
قال قتادة : « إفسادهم في المرّة الأولى ما خالفوا من أحكام التوراة وركبوا المحارم » « 1 » . وقال ابن إسحاق : « إفسادهم في المرّة الأولى قتل شعيا في الشجرة ، وارتكابهم المعاصي » « 2 » .
بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا
. قال قتادة : « يعني جالوت وجنوده ، وهو الذي قتله داود ، فذاك هو عود الكرّة » « 3 » . وقال سعيد بن جبير : « سنحاريب من أرض نينوى » « 4 » وقال ابن إسحاق : « بختنصّر البابليّ وأصحابه » وهو الأظهر ، فقتل منهم أربعين ألفا ممّن يقرأ التوراة ، وذهب بالبقيّة إلى أرضه ، فبقوا هناك في الذلّ إلى أن قيّض اللّه ملكا آخر من أهل بابل ، واتّفق أن تزوّج بامرأة من بني إسرائيل ، فطلبت تلك المرأة من ذلك الملك أن يردّ بني إسرائيل إلى بيت المقدس ، ففعل ، وبعد مدة قامت فيهم الأنبياء ، ورجعوا إلى أحسن ما كانوا ، وهو قوله :
ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ
« 5 » . وقال آخرون : يعني بقوله :
بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا
هو أنه تعالى ألقى الرّعب من بني إسرائيل في قلوب المجوس ، فلما كثرت المعاصي فيهم ، أزال ذلك الرعب عن قلوب المجوس ، فقصدوهم ، وبالغوا في قتلهم ، وإفنائهم ، وإهلاكهم . واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض في معرفة الأقوام بأعيانهم ، بل المقصود هو أنهم لمّا أكثروا من المعاصي ، سلّط اللّه عليهم أقواما قتلوهم وأفنوهم .

فصل في الاحتجاج على صحة القضاء والقدر

احتجّوا بهذه الآية على صحّة القضاء والقدر من وجهين : الأول « 6 » : أنه تعالى قال :
وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ
، وهذا القضاء أقلّ احتمالاته الحكم الجزم والخبر الحتم ، فثبت أنّه تعالى أخبر عنهم أنهم سيقدمون على الفساد والمعاصي خبرا وجزما ، حتما ، لا يقبل النّسخ ؛ لأنّ القضاء معناه الحكم الجزم ، ثمّ إنه اللّه تعالى أكّد القضاء بقوله :
وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا
. فنقول : عدم وقوع ذلك الفساد منهم يستلزم انقلاب خبر اللّه الصدق كذبا ، وانقلاب حكمه الجازم باطلا ، وانقلاب علمه الحقّ جهلا ، وكل ذلك محال ، فكان عدم إقدامهم
هامش
( 1 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 3 / 106 ) . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 8 / 27 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 4 / 299 ) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم . وذكره البغوي في « تفسيره » ( 3 / 106 ) . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 8 / 27 ) وذكره البغوي في « تفسيره » ( 3 / 106 ) . ( 5 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 3 / 106 ) والرازي في « تفسيره » ( 20 / 124 ) . ( 6 ) ينظر : الرازي 20 / 125 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 212 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب