تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
قال وهب : ماتت جماعة منهن . قال ابن الخطيب « 1 » : وعندي أنّه يحتمل وجها آخر ، وهو أنهنّ إنّما أكبرنه ؛ لأنّهن رأين عليه نور النبوّة ، وبهاء الرّسالة وآثار الخضوع ، والإنابة ، وشاهدن منه معاني الهيبة ، والسكينة ، وهي عدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح ، وعدم الاعتداد بهنّ ، واقران هذه الهيبة الإلهية ، بذلك الجمال العظيم ، فتعجبن من تلك الحالة ، فلا جرم أكبرنه ، وعظمنه ، ووقع الرّعب والمهابة في قلوبهن ، وهذا عندي أولى . فإن قيل : كيف يطابق على هذا التّأويل قولها : « فذلكنّ الّذي لمتنّني فيه » ؟ وكيف تصير هذه الحالة عذرا لها في قوّة العشق ، وإفراط المحبّة ؟ . قلت : تقرر أن المحبوب متبوع ، فكأنّها قالت لهنّ : هذا الخلق العجيب انضمّ إليه هذه السيرة الملكية الطّاهرة المطهرة . فحسنه يوجب الحب الشّديد ، والسّيرة الملكية توجب اليأس عن الوصول إليه ، فلهذا وقعت في المحبّة والحسرة ، وهذا التأويل أحسن ، ويؤيده قولهم : « ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم » . قوله : « حاشا للّه » عدّها النحويون من الأدوات المترددة بين الحرفية والفعلية ، فإن جرّت ، فهي حرف ، وإن نصبت ، فهي فعل ، وهي من أدوات الاستثناء ، ولم يعرف سيبويه فعليّتها ، وعرفها غيره ، وحكوا عن العرب : « غفر اللّه لي ، ولمن سمع دعائي ، حاشا الشّيطان ، وابن أبي الأصبع » بالنصب ، وأنشدوا : [ الوافر ]
3092 - حشا رهط النبيّ فإنّ منهم * بحورا لا تكدّرها الدّلاء « 2 »
بنصب « رهط » ، و « حشا » لغة في « حاشا » كما سيأتي . قال الزمخشري « 3 » : « حاشى » كلمة تفيد التنزيه ، في باب الاستثناء ، تقول : أساء القوم حاشى زيد ، وقال : [ الكامل ]
3093 - حاشى أبي ثوبان إنّ به * ضنّا عن الملحاة والشّتم « 4 »
وهي حرف من حروف الجرّ ؛ فوضعت موضع التنزيه ، والبراءة ، فمعنى حاشا للّه : براءة اللّه ، وتنزيه اللّه ، وهي قراءة ابن مسعود .
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 18 / 102 . ( 2 ) ينظر : الكتاب 2 / 309 ، الجنى الداني ص 567 ، ورصف المباني ص 179 ، ولسان العرب « حرم » ، « حشا » ، والمقرب 1 / 172 ، والتهذيب 5 / 24 والدر المصون 4 / 8175 ( 3 ) ينظر : الكشاف 2 / 465 . ( 4 ) البيت للجميح الأسدي . ينظر : المحتسب 1 / 341 ، المفضليات 367 ، مجاز القرآن 1 / 310 ، وشرح المفصل 8 / 47 ، الدرر 1 / 196 ، 1 / 48 ، الإنصاف 1 / 280 ، البحر المحيط 5 / 300 ، اللسان ( حشا ) والأصمعيات ص 218 ، والجنى الداني ص 562 ، والمقاصد النحوية 3 / 129 ، والدر المصون 4 / 176 وله أو لسبرة بن عمرو الأسدي في خزانة الأدب 4 / 182 وهمع الهوامع 1 / 232 .