تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
ثم قال - عزّ وجلّ - :
وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ
أي : أنه لم يقتصر على هذه النعم ، بل أعطى عباده من المنافع ما لا يأتي على بعضها التّعداد . ثمّ قال
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
قال الواحديّ : « النّعمة ههنا اسم أقيم مقام المصدر ، يقال : أنعم اللّه عليه ينعم إنعاما ، ونعمة ، أقيم الاسم مقام الإنعام ، كقوله : أنفقت عليك إنفاقا ونفقة شيئا واحدا ، ولذلك يجمع لأنّه في معنى المصدر » . وقال غيره : « النّعمة هنا بمعنى المنعم به » . وختمت هذه الآية ب
إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ
ونظيرها في النحل ب
إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
[ النحل : 18 ] لأن في هذه تقدم قوله - عز وجل - :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً
[ إبراهيم : 28 ] وبعده
وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً
[ إبراهيم : 30 ] فجاء قوله
إِنَّ الْإِنْسانَ
شاهدا بقبح من فعل ذلك فناسب ختمها بذلك . والتي في النّحل ذكر فيها عدة تفضيلات ، وبالغ فيها ، وذكر قوله - جلّ ذكره -
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ
[ النحل : 17 ] أي : من أوجد هذه النعم السابق ذكرها كمن لم يقدر منها على شيء ، فذكر أيضا أن من جملة تفضلاته اتصافه بهاتين الصفتين . وقال ابن الخطيب « 1 » : « كأنه يقول : إذا حصلت النعم الكثيرة ؛ فأنت الذي أخذتها وأنا الذي أعطيتها ؛ فحصل لك عند أخذها وصفان : وهما : كونك ظلوما كفارا ، ولي وصفان عند إعطائها وهما : كوني غفورا رحيما ، فكأنه - تعالى - يقول : إن كنت ظلوما فأنا غفور ، وإن كنت كفارا فأنا رحيم ، أعلم عجزك ، وقصورك ، فلا أقابل جفاك إلا بالوفاء » . قوله تعالى :

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 35 إلى 41 ]

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ( 35 ) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 36 ) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ( 37 ) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ( 38 ) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ( 39 ) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ ( 40 ) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ( 41 ) قوله تعالى :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً
الآية لما استدل على أنّه لا معبود إلا اللّه - تعالى - وأنّه لا يجوز عبادة غير اللّه - تعالى - ألبتّة ، حكى عن إبراهيم - عليه السلام - أنّه طلب من اللّه - تعالى - أشياء :
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 19 / 103 .