تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
ثم قال تعالى :
وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ
[ إبراهيم : 32 ] نظيره
وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
. واعلم أنّ الانتفاع بما ينبت من الأرض إنّما يكمل بوجود الفلك ؛ لأنّ اللّه - تعالى - خص كل طرف من أطراف الأرض بنوع آخر من النعم حتى إن نعمة هذا الطرف إذا نقلت إلى الطرف الآخر من الأرض ، وبالعكس ، كثرت الأرباح في التجارات وهذا الفعل لا يمكن إلا بسفن البرّ ، وهي الجمال ، أو بسفن البحر ، وهي الفلك . فإن قيل : ما معنى :
وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ
مع أنّ تركيب السفينة من أعمال العباد ؟ . فالجواب : أنّ فعل العبد خلق اللّه - تعالى - عند أهل السّنّة ، فلا سؤال . وأمّا عند المعتزلة : فلأنه - تعالى - خلق الأشجار التي تركب منها السّفن وخلق الحديد ، وسائر الآلات ، وعرف العباد صنعة التركيب ، وخلق الرياح ، وخلق الحركات القوية فيها ، ووسّع الأنهار وعمقها تعميقا لجري السفن فيها ، ولولا ذلك لما حصل الانتفاع بالسفن . وأضاف التسخير إلى أمره ؛ لأنّ الملك العظيم لا يوصف بأنّه فعل ، وإنّما يقال : أمر ، قال تعالى :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ النحل : 40 ] وسخر الفلك مجازا ؛ لأنها جمادات ، ولما كانت تجري على وجه الماء ، وعلى وفق إرادة الملاح صارت كأنها حيوان مسخّر . ثم قال تعالى :
وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ
، لأنّ ماء البحر لا ينتفع به في الزراعات ، فأنعم اللّه - تعالى - على الخلق بتفجير الأنهار ، والعيون حتى انبعث الماء منها إلى موضع الزرع والنبات ، وأيضا : فماء البحر لا يصلح للشرب ، وإنّما يصلح له مياه الأنهار . ثم قال - عز وجل -
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
والانتفاع بهما عظيم قال اللّه - سبحانه وتعالى -
وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً
[ نوح : 16 ]
وَقَمَراً مُنِيراً
[ الفرقان : 61 ]
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
[ يونس : 5 ] ، وتأثيرهما في إزالة الظلمة ، وإصلاح النبات والحيوان ، فالشمس سلطان النهار ، والقمر سلطان الليل ، فلو لا الشمس لما حصلت الفصول الأربعة ، ولولاها لاختلت مصالح العالم بالكليّة . ثم قال
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
ومنافعهما مذكورة في القرآن ، كقوله
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً
[ النبأ : 10 ، 11 ] ، وقوله تعالى :
جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
[ القصص : 73 ] . قال المتكلمون : تسخير الليل ، والنهار مجاز ؛ لأنهما عرض ، والأعراض لا تسخّر .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 391 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب