تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
الشيء لانتفاء غيره ، والمعنى : أنه - تعالى - ما شاء هداية جميع الناس والمعتزلة تارة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء ، وتارة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الهداية إلى طريق الجنة ، ومنهم من يجري الكلام على الظاهر ، ويقول : إنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس لأنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين فلا يكون مباينا لهداية جميع الناس ، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة مرارا . قوله تعالى :
وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ
الآية قيل : أراد جميع الكفار ؛ لأن الوقائع الشديدة [ التي وقعت لبعض الكفار من القتل والسبي ، أوجب حصول الغم ] « 1 » في قلوب الكل . وقيل : أراد بعض الكفار وهم جماعة معينون ، فتكون الألف واللام للعهد ، والمعنى لا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا من كفرهم وأعمالهم القبيحة « قارعة » أي : نازلة وداهية تقرعهم من أنواع البلاء أحيانا بالجدب وأحيانا بالسلب وأحيانا بالقلب . يقال : قرعه أمر إذا أصابه ، والجمع قوارع ، والأصل في القرع : الضرب أي : لا يزال الكافرون تصيبهم داهية مهلكة من صاعقة كما أصاب أربد ، أو من قتل أو أسر أو جدب أو غير ذلك من العذاب والبلاء كما نزل - يخاطب المستهزئين من رؤساء المشركين . وقال ابن عباس - رضي اللّه عنه - : أراد كفار قريش يصيبهم بما صنعوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من العداوة والتكذيب بأن لا يزال يبعث السرايا فتغير حول مكة وتختطف منهم وتصيب من مواشيهم » « 2 » . قوله « أو تحلّ » يجوز أن يكون فاعله ضمير الخطاب ، أي : تحل أنت يا محمد وأن يكون ضمير القارعة ، وهذا أبين ، أي : تصيبهم قارعة أو تحل القارعة ، وموضعها نصب عطف على خبر « يزال » . وقرأ ابن جبير « 3 » ومجاهد : « أو يحلّ » بالياء من تحت ، والفاعل على ما تقدم إما ضمير القارعة - وإنما ذكر الفعل ؛ لأنها بمعنى العذاب ولأن التاء للمبالغة ، والمراد : قارع - وإما ضمير الرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - أتى به غائبا ، وقرأ أيضا « 4 » : « من ديارهم » جمعا ، وهي واضحة . المعنى : أو تحل القارعة أو أنت يا محمد - صلوات اللّه وسلامه عليك - بجيشك قريبا من دارهم كما حل بالحديبية
حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ
وهو فتح مكة ، وكان قد وعده ذلك . وقيل : يوم القيامة .
هامش
( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 19 / 44 ) . ( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 3 / 313 ، والبحر المحيط 5 / 384 والدر المصون 4 / 244 . ( 4 ) ينظر : المصادر السابقة .