تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
المخصوص أقل من الباقي ، وأحسن منه ، كما يقال : أكلت هذه الرّمّانة مع أنّه سقطت حبات ما أكلها ، وههنا ذات اللّه أعلى الموجودات ، وأشرفها ، فكيف يمكن ذكر اللفظ العام الذي يتناوله مع كون الحكم مخصوصا في حقّه . واستدلّوا أيضا بقوله تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] والمعنى : ليس مثل مثله شيء ، ومعلوم أن كل حقيقة [ فإنها ] مثل مثل نفسها ، فالباري - تعالى - مثل مثل نفسه مع أنه - تعالى - نصّ على أنّ مثل مثله ليس بشيء ، فهذا تنصيص على أنه تعالى غير مسمى باسم الشيء . واستدلّوا أيضا بقوله تعالى :
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها
[ الأعراف : 180 ] قالوا : دلّت على أنه لا يجوز أن يدعى اللّه إلا بالأسماء الحسنى ، ولفظ الشيء يتناول أحد الموجودات ، فلا يكون هذا اللفظ مشعرا بمعنى حسن ؛ فوجب ألّا يجوز دعاء اللّه بهذا اللفظ . وتمسك من جوّز إطلاق هذه التسمية عليه بقوله تعالى :
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
[ الأنعام : 19 ] . وأجاب الأولون : بأنّ هذا سؤال متروك الجواب ، وقوله :
قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
مبتدأ مستقل بنفسه لا تعلق له بما قبله .

فصل [ في تمسك المعتزلة بهذه الآية في أنه - تعالى - عالم لذاته لا بالعلم وقادر بذاته لا بالقدرة ]

تمسّك المعتزلة بهذه الآية في أنّه - تعالى - عالم لذاته لا بالعلم وقادر لذاته لا بالقدرة ، وقالوا : لأنه لو حصل للّه - تعالى - علم ، وقدرة وحياة لكانت هذه الصفات إمّا أن تحصل بخلق اللّه - تعالى - أو لا تحصل بخلق اللّه والأول باطل ، وإلا لزم التسلسل ، والثاني باطل ؛ لأنّ قول اللّه تعالى :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
[ الزمر : 62 ] يتناول الذات ، والصفات حكمنا بدخول التخصيص في ذات اللّه - تعالى - فوجب أن يبقى على عمومه في سائر الأشياء ، والقرآن ليس هو اللّه ؛ فوجب أن يكون مخلوقا لدخوله في هذا العموم . والجواب أن يقال : أقصى ما في الباب أنّ الصّيغة عامة ؛ لأن تخصيصها في حق صفات اللّه - تعالى - بالدلائل العقليّة . قوله تعالى :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
الآية لما شبّه المؤمن والكافر ، والإيمان ، والكفر بالأعمى ، والبصير ، والظلمات ، والنور ، ضرب للإيمان ، والكفر مثلا آخر فقال :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
« أنزل » يعني اللّه :
مِنَ السَّماءِ ماءً
يعني المطر « فسالت » من ذلك الماء :
أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها
أي : في الصغر ، والكبر
فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ
الذي حدث من ذلك الماء :
زَبَداً رابِياً
الزّبد : الخبث الذي يظهر على وجه الماء وكذلك على وجه القدر « رابيا » أي : عاليا مرتفعا فوق الماء ، فالماء الصّافي الباقي هو الحق ، والذاهب الزائل الذي يتعلق بالأشجار ، وجوانب الأودية هو الباطل .