تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
ينسبنا للجهل ، والتقصير ، مع أنه حصل فينا بغير فعلنا ، ولا باختيارنا » . والجواب عن الأول : هو أنّ لفظ الخلق عبارة عن الإخراج من العدم إلى الوجود ، أو عبارة عن التقديرين ، وعلى الوجهين : فبتقدير أن يكون العبد محدثا ، فإنه لا بد أن يكون حادثا ، أما قوله : والعبد وإن كان خالقا إلّا أنه ليس خلقه كخلق اللّه - تعالى - . قلنا : الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين والإخراج من العدم إلى الوجود ، ومعلوم أنّ الحركة الواقعة بقدرة العبد لما كانت مثلا للحركة الواقعة بقدرة اللّه - تعالى - كان أحد المخلوقين مثلا للمخلوق الثاني ، وحينئذ يصحّ أن يقال : إنّ هذا الذي هو مخلوق للعبد مثل لما هو مخلوق للّه - تعالى - ، ولا شك في حصول المخالفة في سائر الاعتبارات ، إلّا أنّ حصول المخالفة في سائر الوجوه لا يقدح في المماثلة من هذا الوجه ، وهذا القدر يكفي في الاستدلال . وأما قوله : « هذا لازم على المجبرة حيث قالوا : إنّ فعل العبد مخلوق للّه - تعالى - » . فنقول : هذا غير لازم ؛ لأنّ هذه الآية [ دالة ] « 1 » على أنّه لا يجوز أن يكون العبد مثلا كخلق اللّه - تعالى - ونحن لا نثبت للعبد خلقا ألبتّة ، فكيف يلزمنا ذلك ؟ . وأما قوله : « لو كان فعل العبد خلقا للّه لما حسن ذمّ الكفّار على هذا المذهب » . قلنا : حاصله يرجع إلى أنّه لما حصل الوجود ، وجب أن يكون العبد مستقلا بالفعل وهو منقوض ؛ لأنّه - تعالى - ذمّ أبا لهب على كفره مع أنّه علم منه أنّه يموت على الكفر ، وخلاف المعلوم محال الوقوع . قوله :
قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
وهذا يدلّ على أنّ فعل العبد مخلوق للّه - تعالى - ؛ لأنّ فعل العبد شيء ، فوجب أن يكون خالقه هو اللّه - تعالى - وأيضا : فقوله :
وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
لا يقال فيه : إنه تعالى واحد في أي المعاني ، بل الواحد في الخالقية ؛ لأن المذكور السابق هو الخالقية ، فوجب أن يكون المراد هو الواحد في الخالقية ، القهار لكل ما سواه .

فصل [ في اختلافهم بأن اللّه - تعالى - لا يقع عليه اسم الشيء ]

زعم جهم أن اللّه - تعالى - لا يقع عليه اسم الشيء . قال ابن الخطيب « 2 » : « وهذا الخلاف ليس إلا في اللفظ ، وهو أن اسم الشيء هل يقع عليه أم لا ؟ فزعم قوم أنه لا يقع ، وجوّزه قوم » . واحتج المانعون : بأنه لو كان شيئا لوجب أن يكون خالقا لنفسه ، لقوله تعالى :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
[ الزمر : 62 ] وذلك محال ؛ فثبت أنه لا يقع عليه اسم الشيء ، ولا يقال : إنّ هذا عام دخله التخصيص ؛ لأنّ العام المخصوص إنّما يحسن إذا كان
هامش
( 1 ) في أ : تدل . ( 2 ) ينظر : الفخر الرازي 19 / 27 .