تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
أتجوع وبيدك خزائن الأرض ؟ فقال : أخاف إن شبعت نسيت الجياع ، وأمر يوسف طبّاخي الملك أن يجعلوا غذاءه نصف النهار ؛ وأراد بذلك أن يذوق الملك طعم الجوع ، ولا ينسى الجائعين ، ومن ثمّ جعل الملوك غذاءهم نصف النّهار . وعمّ القحط البلاد حتّى أصاب أرض كنعان وبلاد الشام . ونزل بيعقوب ما نزل بالنّاس ؛ فأرسل بنيه إلى مصر ؛ للميرة ، وأمسك بنيامين أخا يوسف لأمه ، فذلك قوله تعالى :
وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ
وكانوا عشرة ، وكان منزلهم بالقريات من أرض فلسطين بغور الشام ، وكانوا أهل بادية ، وإبل ، وشاء ، فقال لهم يعقوب : بلغني أنّ بمصر ملكا صالحا يبيع الطعام فتجهّزوا ، واذهبوا ؛ لتشتروا منه الطعام ، فقدموا على مصر ، فدخلوا على يوسف ، فعرفهم يوسف . قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - ، ومجاهد : عرفهم بأول ما نظر إليهم ، وهم ما عرفوه البتة « 1 » . وقال الحسن : لم يعرفهم حتّى تعرّفوا إليه . وكان كلّ من وصل إلى بابه من البلاد ، وتفحّص عنهم ، وتعرّف أحوالهم ؛ ليعرف هل هم إخوته أم لا « 2 » ، فلما وصل إخوة يوسف إلى باب داره تفحص عن أحوالهم فظهر له أنهم إخوته « 3 » ، وأما كونهم ما عرفوه ؛ فلأنه - صلوات اللّه وسلامه عليه - أمر حجّابه بأن يوقفوهم على البعد وما كان يتكلم معهم إلّا بالواسطة أيضا ، فمهابة الملك ، وشدة الحاجة ، توجب كثرة الخوف . وأيضا : إنما رأوه بعد وفور اللّحية ، وتغير الزيّ والهيئة ؛ لأنّهم رأوه جالسا على سرير ، وعليه ثياب الحرير ، وفي عنقه طوق من ذهب ، وعلى رأسه تاج من ذهب ، وأيضا نسوا واقعة يوسف ؛ لطول المدّة ، ويقال : إنّ من وقت ما ألقوه في الجبّ إلى هذا الوقت أربعين سنة ، وكلّ واحد من هذه الأسباب يمنع حصول المعرفة لا سيّما عند اجتماعها . قوله
وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ
العامة على فتح الجيم ، وقرىء « 4 » بكسرها ، وهما لغتان ، فيما يحتاجه الإنسان من زاد ومتاع . ومنه : جهاز العروس ، وجهاز الميت . قال الليث - رحمه اللّه - : جهّزت القوم تجهيزا : إذا تكلّفت لهم جهازهم للسّفر ، وقال : وسمعت أهل البصرة يقولون : الجهاز بالكسر . قال الأزهريّ « 5 » : « القراء كلّهم على فتح الجيم ، والكسر لغة ليست بجيدة » .
هامش
( 1 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 434 ) . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق . ( 3 ) سقط من : ب . ( 4 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 319 والدر المصون 4 / 193 . ( 5 ) ينظر : تهذيب اللغة 6 / 34 .