تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
تكذيب ما رووه عنه بأنّه جلس منها موضع الرجل من امرأته ؛ وهو عين الإيمان بالحقّ . واعلم أنّ لفظ الخير قد يستعمل لكون أحد الخيرين أفضل من الآخر ؛ كما يقال : الجلاب خير من الماء ، وقد يستعمل لبيان كونه في نفسه خيرا من غير أن يكون المراد منه بيان التفضيل ؛ كما يقال : « الثّريد خير من عند اللّه - تعالى - » . يعني : الثّريد خير من الخيرات حصل من اللّه . وإذا ثبت هذا فنقول : قوله :
وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ
إن حملناه على الوجه الأوّل ، لزم أن تكون ملاذّ الدنيا موصوفة بالخيرية أيضا ، وإذا حملت على الوجه الثاني ، لزم أن يقال : منافع الآخرة خيرات ، ولا شكّ أن قوله - تعالى - :
وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ
، شرح حال يوسف - عليه الصلاة والسلام - ووجب أن يصدق في حقه أنّه من ( الذين آمنوا وكانوا يتقون ) ، وهذا تنصيص من اللّه - عز وجل - أنه كان في الزمن السّابق من المتقين ، وليس هاهنا زمن سابق ليوسف يحتاج إلى أنه كان فيه من المتّقين ، إلّا الوقت الذي قاله اللّه فيه :
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها
، فكان هذا شهادة من اللّه تعالى - على أنّه - عليه السلام - كان في ذلك الوقت من المتّقين . وأيضا : قوله تعالى :
وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
شهادة من اللّه - عز وجل - أنه - عليه الصلاة والسلام - من المحسنين ، وقوله :
إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ
وكل هذه التأكيدات تبطل ما رووه عنه ، واللّه أعلم .

فصل

قال القاضي رحمه اللّه : قوله :
وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ
يدلّ على بطلان قول المرجئة الذين يزعمون أنّ الثواب يحصل في الآخرة لمن لم يتّق الكبائر . وهذا ضعيف ؛ لأنا إن حملنا لفظ « خير » على التّفضيل ، لزم أن يكون الثّواب الحاصل للمتقين أفضل ، ولا يلزم ألا يحصل لغيرهم أصلا ، وإن حملناه على أصل معنى الخير ، فهذا يدلّ على حصول هذا الخير للمتقين ، ولا يدلّ على أنّ غيرهم لا يحصل له هذا الخير ، واللّه أعلم . قوله تعالى :

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 58 إلى 61 ]

وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 58 ) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ( 59 ) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ ( 60 ) قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ( 61 ) قوله :
وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ
الآية . وروي أنّ يوسف - عليه السلام - لا يشبع من طعام في تلك الأيّام ؛ فقيل له :
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 140 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب