تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
قوله :
فِي كِتابِ اللَّهِ
يجوز أن يكون صفة ل :
« اثْنا عَشَرَ » ،
والتقدير : اثنا عشر شهرا مثبتة في كتاب اللّه . ثمّ لا يجوز أن يعنى بهذا الكتاب كتاب من الكتب ، لأنّه متعلق بقوله :
يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ
وأسماء الأعيان لا تتعلّق بالظروف ، فلا تقول : غلامك يوم الجمعة ، بل الكتاب ههنا مصدر والتقدير : إنّ عدة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهرا في كتاب اللّه ، أي : في حكمه الواقع يوم خلق السماوات والأرض . ويجوز أن يكون بدلا من الظرف قبله ، وهذا لا يجوز ، أو ضعيف ، لأنّه يلزم منه أن يخبر عن الموصول قبل تمام صلته ، فإنّ هذا الجارّ متعلق به على سبيل البدلية ، وعلى تقدير صحة ذلك من جهة الصناعة ، فكيف يصحّ من جهة المعنى ؟ ولا يجوز أن يكون
« فِي كِتابِ اللَّهِ »
متعلقا ب « عدّة » لئلّا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بخبره وقياس من جوّز إبداله من الظرف أن يجوّز هذا ، وقد صرّح بجوازه الحوفيّ . قوله :
« يَوْمَ خَلَقَ »
يجوز فيه أن يتعلّق ب « كتاب » على أنّه يراد به المصدر ، لا الجثة ويجوز أن يتعلّق بالاستقرار في الجار والمجرور ، وهو
« فِي كِتابِ اللَّهِ »
ويكون الكتاب جثة لا مصدرا ، وجوّز الحوفيّ أن يكون متعلقا ب « عدّة » وهو مردود بما تقدّم ، ويجوز أن يتعلّق بفعل مقدر ، أي : كتب ذلك يوم خلق .

فصل [ فيما تضمنته الآية من شرح قبائح اليهود والنصارى والمشركين ]

هذه الآية أيضا من شرح قبائح اليهود والنّصارى والمشركين ، وهو إقدامهم على تغيير أحكام اللّه تعالى ؛ لأنّه تعالى ، حكم في كل وقت بحكم خاص ، فإذا غيّروا تلك الأوقات بسبب النّسيء ، كان ذلك سعيا منهم في تغيير حكم السّنة بحسب أهوائهم وآرائهم فكان ذلك زيادة في كفرهم وجرأتهم . فإنّ السّنة عند العرب : عبارة عن اثني عشر شهرا قمرية ، ويدلّ عليه هذه الآية وقوله تعالى :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
[ يونس : 5 ] فجعل تقدير القمر بالمنازل دليلا على السنين ، وإنّما يصح ذلك إذا كانت السّنة معلقة بسير القمر ، وقال تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
[ البقرة : 189 ] وعند سائر الطوائف : السّنة عبارة عن المدة التي تدور الشمس فيها دورة تامة من فصل إلى فصل ، فيكون الحج واقعا في الشتاء مرّة ، وفي الصيف أخرى ، فشقّ الأمر عليهم بهذا السّبب . وأيضا إذا حضروا الحجّ حضروا للتجارة ، فربما كان ذلك الوقت غير موافق لحضور التجارات من الشمسية ، فلذلك بقي زمان الحج مختصا بوقت معين موافق لمصلحتهم ، وانتفعوا بتجاراتهم ومصالحهم ، فهذا النّسيء وإن كان سببا لحصول المصالح الدنيوية ، إلّا أنّه لزم منه تغيير حكم اللّه تعالى ، لمّا خصّ الحجّ بأشهر معلومة على التّعيين ، وكان بسبب ذلك النّسيء يقع في سائر الشّهور تغيير حكم اللّه تعالى وإبطال تكليفه ؛ فلهذا المعنى استوجبوا الذّمّ العظيم في هذه الآية . والمراد بالكتاب : حكمه