تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
والاحترام ، حتى إنّ الإنسان ربما امتنع في تلك الأزمنة ، وفي تلك الأمكنة عن فعل القبائح ، وذلك يوجب أنواعا من الفوائد . أحدها : أنّ ترك القبائح في تلك الأوقات أمر مطلوب ؛ لأنه يقل القبائح . وثانيها : أنّ تركها في تلك الأوقات ربما صار سببا لميل طبعه إلى الإعراض عنها مطلقا . وثالثها : أنّه إذا أتى بالطّاعات فيها وأعرض عن المعاصي فيها ، فبعد انقضاء تلك الأوقات لو شرع في المعاصي صار شروعه فيها سببا لبطلان ما تحمله من العناء والمشقّة في أداء الطاعات في تلك الأوقات ، والظّاهر من حال العاقل أنّه لا يرضى بذلك فيصير ذلك سببا لاجتنابه عن المعاصي بالكلّية ، فهذا هو الحكمة في تخصيص بعض الأزمنة ، وبعض الأمكنة ، بمزيد التعظيم . قوله
ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
أي : الحساب المستقيم ، يقال : « الكيّس من دان نفسه » « 1 » أي : حاسبها ، وقال الحسن :
« ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ »
الذي لا يبدل ولا يغير « 2 » ، « القيّم » - ههنا - بمعنى : القائم الدائم الذي لا يزول ، وهو الدّين الذي فطر النّاس عليه . قوله
فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ
بفعل المعصية ، وترك الطّاعات ، قال ابن عبّاس : « المراد ، فلا تظلموا في الشهور الاثني عشر أنفسكم ، والمراد : منع الإنسان من الإقدام على الفساد في جميع العمر » . وقال الأكثرون الضّمير في قوله « فيهنّ » عائد على الأربعة الحرم ، وقد تقدّم . وقيل : المراد ب « الظلم » النّسيء الذي كانوا يعملونه ، فينقلون الحجّ من الشهر الذي أمر اللّه بإقامته فيه إلى شهر آخر ، وقيل : المراد ب « الظّلم » ترك المقاتلة في هذه الأشهر . قوله
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً
نصب « كافّة » على الحال ، إمّا من الفاعل ، أو من المفعول ، وقد تقدّم أن « كافّة » لا يتصرّف فيها بغير النصب على الحال ، وأنّها لا تدخلها « أل » ؛ لأنها بمعنى قولك : قاموا جميعا ، وقاموا معا ، وأنّها لا تثنّى ، ولا تجمع ، وكذلك « كافة » الثانية ، ومعنى « كافة » أي : جميعا .

فصل [ في معنى قوله تعالى : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً

] معنى الآية : قاتلوهم بأجمعكم مجتمعين على قتالهم ، كما أنّهم يقاتلونكم على هذه الصّفة ، أي : تعاونوا وتناصروا على ذلك ، ولا تتخاذلوا وكونوا عباد اللّه مجتمعين متوافقين في مقاتلة الأعداء .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد ( 4 / 124 ) والترمذي ( 2577 ) وابن ماجة ( 4260 ) والحاكم ( 1 / 57 - 4 / 325 ) والطبراني في « الكبير » ( 7141 ، 7143 ) وفي « الصغير » ( 2 / 36 ) من طريق أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس مرفوعا . ( 2 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 16 / 43 ) عن الحسن .