تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 572

مساهمون:

ص٥٧٢
وحادي عشرها : أنّه استثناء من البرزخ الذي بين الدنيا والآخرة . وثاني عشرها : أنّه استثناء من المسافات التي بينهم في دخول النّار ، إذ دخولهم إنّما هو زمرا بعد زمر . وثالث عشرها : أنّه استثناء من قوله :
« فَفِي النَّارِ »
كأنّه قال : إلّا ما شاء ربّك من تأخّر قوم عن ذلك ، وهذا مرويّ عن أبي سعيد الخدري وجابر « 1 » . ورابع عشرها : أنّ
« إِلَّا ما شاءَ »
بمنزلة : كما شاء ؛ كقوله :
ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ
[ النساء : 22 ] ، أي : كما سلف . وخامس عشرها : أن معناه : لو شاء ربّك ، لأخرجهم منها ، ولكنه لا يشاء ؛ لأنّه حكم لهم بالخلود ، فتكون « ما » نافية . وسادس عشرها : أنّه استثناء من قوله :
فَفِي النَّارِ
و
فَفِي الْجَنَّةِ ،
أي : إلّا الزّمان الذي شاءه اللّه فلا يكون في النّار ولا في الجنّة ، ويمكن أن يكون هذا الزّمان المستثنى هو الزّمان الذي يفصل فيه بين الخلق يوم القيامة إذا كان الاستثناء من الكون في النّار ، أو في الجنّة ؛ لأنه زمان يخلو فيه الشّقيّ والسّعيد من دخول النّار والجنة ، وأمّا إذا كان الاستثناء من الخلود فيمكن ذلك بالنسبة إلى أهل النار ، ويكون الزّمان المستثنى هو الزمان الذي فات أهل النار العصاة من المؤمنين الذي يخرجون من النّار ويدخلون الجنّة ، فليسوا خالدين في النار ، إذ قد أخرجوا منها وصاروا إلى الجنّة . وهذا مرويّ عن قتادة والضّحاك وغيرهما « 2 » والذين شقوا على هذا شامل للكفار والعصاة . هذا في طرف الأشقياء العصاة ممكن ، وأمّا في الطّرف الآخر فلا يتأتّى هذا التأويل فيه ، إذ ليس منهم من يدخل الجنة ثمّ لا يخلّد فيها . قال أبو حيّان « 3 » : يمكن ذلك باعتبار أن يكون أريد الزّمان الذي فات أهل النّار العصاة من المؤمنين ، أو الذي فات أصحاب الأعراف ، فإنّه بفوات تلك المدّة التي دخل المؤمنون فيها الجنّة وخلّدوا فيها صدق على العصاة المؤمنين وأصحاب الأعراف أنهم ما خلّدوا في الجنة تخليد من دخلها لأوّل وهلة . ثم قال :
« إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ »
وهذا يحسن انطباقه على هذه الآية إذا حملنا الاستثناء على إخراج الفسّاق من النّار ، كأنّه تعالى يقول : أظهرت القهر والقدرة ، ثم أظهرت المغفرة والرّحمة ؛ لأنّي فعال لما أريد ، وليس لأحد عليّ حكم ألبتّة . قوله :
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 116 ) من طريق أبي نضرة عن جابر أو أبي سعيد الخدري . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 115 ) عن قتادة والضحاك . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 263 .