تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 569

مساهمون:

ص٥٦٩
الجنّة مشغولون بلذاتهم ، فلا فائدة لهم في الالتذاذ بالعقاب الدّائم في حقّ غيرهم ؛ فثبت أنّ ذلك العذاب ضرر خال عن جميع جهات النّفع ؛ فوجب أن لا يجوز . وهذا قول عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - وعبد اللّه بن مسعود وأبي هريرة وأنس بن مالك - رضي اللّه عنهم - وذهب إليه الحسن البصريّ وحمّاد بن سلمة وبه قال عليّ بن طلحة وجماعة من المفسّرين ، رواه عنهم ابن تيمية . وأما الجمهور الأعظم من الأمّة ، فقد اتفقوا على أنّ عذاب الكافر دائم ، وعند هذا احتاجوا إلى الجواب عن التمسّك بهذه الآية ، فذكروا جوابين : أحدهما : قالوا المراد سماوات الآخرة وأرضها ، قالوا : والدليل على أنّ في الآخرة سماء وأرضا قوله تعالى :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ
[ إبراهيم : 48 ] وقوله :
وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ
[ الزمر : 74 ] ، وأيضا : لا بدّ لأهل الآخرة ممّا يقلهم ويظلهم ؛ وذلك هو الأرض والسّموات . ولقائل أن يقول : التشبيه إنما يصحّ ويجوز إذا كان حال المشبه به مقررا معلوما ، فيشبه غيره به تأكيدا لثبوت الحكم في المشبه ، ووجود السّموات والأرض في الآخرة غير معلوم ، وبتقدير أن يكون وجوده معلوما إلّا أنّ بقاءهما على وجه لا يفنى ألبتّة غير معلوم ، فإذا كان أصل وجودهما مجهولا لأكثر الخلق ، ودوامهما أيضا مجهولا للأكثرين ، كان تشبيه عقاب الأشقياء به في الدّوام بهما كلاما عديم الفائدة ، أقصى ما في الباب أن يقال : لمّا ثبت بالقرآن وجود سماوات وأرض في الآخرة ، وثبت دوامهما ؛ وجب الاعتراف به ، وحينئذ يحسن التّشبيه ، إلّا أنّا نقول : لمّا كان الطّريق في إثبات دوام سماوات أهل الآخرة ، ودوام أرضهم هو السّمع ، ثمّ السمع دلّ على دوام عقاب الكافر ، فحينئذ الدّليل الذي دلّ على ثبوت الحكم في الأصل حاصل بعينه في الفرع ، وفي هذه الصورة أجمعوا على أنّ القياس ضائع والتّشبيه باطل ، فكذا ههنا . الوجه الثاني - في الجواب - قالوا : إنّ العرب يعبّرون عن الدّوام والأبد بقولهم : لا آتيك ما دامت السماوات والأرض ، وقولهم : ما اختلف الليل والنهار ، وما طما البحر ، وما أقام الجبل وأنّه تعالى خاطب القوم على عرفهم في كلامهم ، فلمّا ذكروا هذه الأشياء بناء على اعتقادهم أنّها باقية أبدا ، علمنا أنّ هذه الألفاظ في عرفهم تفيد الأبد والدّوام . ولقائل أن يقول : هل تسلمون أنّ قول القائل :
خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ
الله ، يمنع من بقائها موجودة بعد فناء السماوات ؟ أو تقولون : إنّه لا يدلّ على هذا المعنى ، فإن كان الأوّل ؛ فالإشكال لازم ؛ لأنّ النصّ لمّا دل على أنّه يجب أن تكون مدة مقامهم في النار مساوية لمدة بقاء السماوات والأرض ، ويمنع من حصول بقائهم في النّار بعد فناء السماوات ، وثبت أنّه لا بدّ من فناء السماوات ، فعند هذا يلزمكم القول بانقطاع ذلك العقاب ، وإن قلتم إنّ هذا لا يمنع من بقائهم في النّار بعد فناء
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 569 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب