تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 571

مساهمون:

ص٥٧١
يريد من العذاب ، كما يعطي أهل الجنّة ما لا انقطاع له . قال أبو حيّان : ما ذكره في أهل النّار قد يتمشّى ؛ لأنّهم يخرجون من النّار إلى الزّمهرير فيصح الاستثناء ، وأمّا أهل الجنّة ، فلا يخرجون من الجنّة ، فلا يصحّ فيهم الاستثناء . قال شهاب الدين : والظّاهر أنّه لا يصحّ فيهما ؛ لأنّ أهل النّار مع كونهم يعذّبون بالزّمهرير هم في النّار أيضا . وثالثها : أنّه استثناء من الزّمان الدّال عليه قوله :
خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ .
والمعنى : إلّا الزمان الذي شاء اللّه فلا يخلّدون فيها . ورابعها : أنه استثناء من الضمير المستتر في الجارّ والمجرور ، وهو قوله :
« فَفِي النَّارِ »
و
« فَفِي الْجَنَّةِ » ،
لأنّه لمّا وقع خبرا تحمّل ضمير المبتدأ . وخامسها : أنه استثناء من الضّمير المستتر في الحال وهو : « خالدين » ، وعلى هذين القولين تكون « ما » واقعة على من يعقل عند من يرى ذلك ، أو على أنواع من يعقل كقوله :
ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ
[ النساء : 3 ] والمراد ب « ما » حينئذ العصاة من المؤمنين في طرف أهل النار ، وأمّا في طرف أهل الجنّة فيجوز أن يكونوا هم ، أو أصحاب الأعراف ؛ لأنهم لم يدخلوا الجنّة لأول وهلة ، ولا خلّدوا فيها خلود من دخلها أولا . وسادسها : قال ابن عطيّة : قيل : إنّ ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب الشّارع إلى استعماله في كلّ كلام ، فهو كقوله :
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
[ الفتح : 27 ] استثناء في واجب ، وهذا الاستثناء هو في حكم الشّرط ، كأنه قال : إن شاء اللّه ؛ فليس يحتاج أن يوصف بمتّصل ، ولا منقطع . وسابعها : هو استثناء من طول المدّة ، ويروى عن ابن مسعود وغيره أنّ جهنم تخلو من النّاس وتخفق أبوابها فذلك قوله تعالى :
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ
وهذا مردود بظواهر الكتاب والسّنة ، وما ذكر عن ابن مسعود فتأويله : أنّ جهنّم في الدّرك الأعلى ، وهي تخلو من العصاة المؤمنين ، هذا على تقدير صحّة ما نقل عن ابن مسعود . وثامنها : أنّ « إلّا » حرف عطف بمعنى الواو ، والمعنى : وما شاء ربّك زائدا على ذلك . وتاسعها : أنّ الاستثناء منقطع ، فيقدّر ب « لكن » أو ب « سوى » ، ونظروه بقولك : « لي عليك ألفا درهم ، إلّا الألف التي كنت أسلفتك » أي : سوى تلك ، فكأنّه قال : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربّك زائدا على ذلك . وقيل : سوى ما أعدّ لهم من عذاب غير عذاب النار كالزمهرير ونحوه . عاشرها : أنه استثناء من مدّة السماوات والأرض التي فرضت لهم في الحياة الدنيا .