تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
أي : فلمّا كان كيت وكيت اجترأ على خطابهم ، أو فطن لمجادلتهم ، وقوله : « يجادلنا » على هذا جملة مستأنفة ، وهي الدّالّة على ذلك الجواب المحذوف . وقيل : تقدير الجواب : أقبل يجادلنا ، أو أخذ يجادلنا ، ف « يجادلنا » على هذا حال من فاعل « أقبل » . وقيل : جوابها قوله : « يجادلنا » وأوقع المضارع موقع الماضي . وقيل : الجواب قوله :
« وَجاءَتْهُ الْبُشْرى »
والواو زائدة . وقيل : « يجادلنا » حال من « إبراهيم » ، وكذلك قوله :
« وَجاءَتْهُ الْبُشْرى »
و « قد » مقدرة . ويجوز أن يكون « يجادلنا » حالا من ضمير المفعول في « جاءته » . و
« فِي قَوْمِ لُوطٍ »
أي : في شأنهم . قوله :
« فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ » .
هذا أوّل قصة قوم لوط ، والمعنى : أنّه لمّا زال الخوف وحصل السّرور بسبب مجيء البشرى بحصول الولد ، أخذ يجادلنا أي : رسلنا ، بمعنى : يكلمنا ؛ لأنّ إبراهيم - صلوات اللّه وسلامه عليه - لا يجادل ربه ، إنّما يسأله ويطلب إليه بدليل مدحه عقيب الآية بقوله :
« إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ »
ولو كان جدلا مذموما لما مدحه بهذا المدح العظيم ، وكانت مجادلته أن قال للملائكة : أرأيتم لو كان في مدائن لوط خمسون رجلا من المؤمنين أتهلكونها قالوا : لا . قال : أو أربعون . قالوا : لا . قال : أو ثلاثون . قالوا لا . حتّى بلغ العشرة . قالوا : لا . قال : أرأيتم لو كان فيها رجل مسلم أتهلكونها ؟ قالوا : لا . فعند ذلك
قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ
[ العنكبوت : 32 ] . ثم قال تعالى :
إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ .
والحليم : الذي لا يتعجّل بمكافأة من يؤذيه ، ومن كان كذلك فإنّه يتأوّه إذا شاهد وصول الشّدائد إلى الغير فلمّا رأي مجيء الملائكة لإهلاك قوم لوط عظم حزنه ، وأخذ يتأوّه فوصفه ، اللّه - تعالى - بأنّه منيب ؛ لأنّ من ظهرت منه هذه الشفقة العظيمة على الخلق فإنّه يتوب ويرجع إلى اللّه - تعالى عزّ وجلّ - في إزالة ذلك العذاب ، أو يقال : من كان لا يرضى بوقوع غيره في الشّدائد ، فبأن لا يرضى بوقوع نفسه فيها أولى ، ولا طريق لتخليص النّفس من عذاب اللّه والوقوع فيه إلا بالتوبة والإنابة ، فقالت الرّسل عند ذلك لإبراهيم - عليه الصلاة والسّلام - :
« يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا »
أي : أعرض عن هذا المقال ، ف
« إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ » ،
أي : عذاب ربّك وحكم ربّك
« إِنَّهُمْ آتِيهِمْ »
: نازل بهم
« عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ »
، أي : غير مصروف عنهم . قوله :
« آتِيهِمْ عَذابٌ »
يجوز أن يكون جملة من مبتدأ وخبر في محلّ رفع خبرا ل « إنّهم » ، ويجوز أن يكون « آتيهم » الخبر « عذاب » المبتدأ ، وجاز