تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
قرأ نافع « 1 » ، والبزي بفتح ياء « فطرني » ، وأبو عمرو وقنبل بإسكانها . ومعنى « فطرني » خلقني ،
« أَ فَلا تَعْقِلُونَ »
أني مصيب في المنع من عبادة الأوثان . ثم قال :
« وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ »
آمنوا به ، والاستغفار - هاهنا - بمعنى الإيمان . وقال الأصم :
« اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ »
أي : سلوه أن يغفر لكم ما تقدم من شرككم ، ثم توبوا من بعده بالندم على ما مضى ، وبالعزم على أن لا تعودوا إلى مثله ، فإذا فعلتم ذلك فالله يكثر النعمة عليكم . قوله :
يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً
نصب « مدرارا » على الحال ، ولم يؤنثه وإن كان من مؤنث لثلاثة أوجه : أحدها : أن المراد بالسماء السحاب ، فذكر على المعنى . الثاني : أن مفعالا للمبالغة فيستوي فيه المذكر والمؤنث ك : صبور ، وشكور ، وفعيل . الثالث : أن الهاء حذفت من « مفعال » على طريق النسب قاله مكي ، وقد تقدم إيضاحه في الأنعام . والمعنى : يرسل عليكم المطر متتابعا مرة بعد أخرى في أوقات الحاجة .
« وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ »
أي : شدة مع شدتكم . وقيل : المراد بالقوة : المال وذلك أن الله تعالى لما بعث هودا إليهم ، وكذبوه حبس الله المطر عنهم ثلاث سنين ، وأعقم أرحام نسائهم ، فقال لهم هود : إن آمنتم بالله أحيا الله بلادكم ورزقكم المال ، والولد ، فذلك قوله تعالى :
يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً
والمدرار : بالكسر الكثير الدر وهو من أبنية المبالغة . فإن قيل : إن هودا - عليه الصلاة والسلام - قال : لو اشتغلتم بعبادة الله لا نفتحت عليكم أبواب الخيرات الدنيوية ، وليس الأمر كذلك لقوله - عليه الصلاة والسلام - « خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل ، فالأمثل » « 2 » فكيف الجمع بينهما ؟ وأيضا فقد جرت عادة القرآن بالترغيب في الطاعات بسبب ترتيب الخيرات الدنيوية ، والآخروية عليها ، فأما الترغيب في الطاعات لأجل ترتيب الخيرات الدنيوية عليها ؛ فذلك لا يليق بالقرآن . فالجواب : لما كثر الترغيب في سعادات الآخرة لم يتغير بالترغيب أيضا في خير الدنيا بقدر الكفاية . قوله :
« إِلى قُوَّتِكُمْ »
يجوز أن يتعلق ب « يزدكم » على التضمين ، أي : يضيف إلى قوتكم قوة أخرى ، أو يجعل الجار والمجرور صفة ل « قوة » فيتعلق بمحذوف . وقدره أبو البقاء : « مضافة إلى قوتكم » ، وهذا يأباه النحاة ؛ لأنهم لا يقدرون إلا الكون
هامش
( 1 ) ينظر : الدر المصون 4 / 106 . ( 2 ) ذكره المتقي الهندي في « كنز العمال » ( 6783 ) بلفظ أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل وعزاه لا بن حبان عن أبي سعيد .