تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
والبركة : ثبوت الخير ومنه بروك البعير ، ومنه البركة لثبوت الماء فيها ، ومنه
تَبارَكَ اللَّهُ
[ الأعراف : 54 ] أي : ثبت تعظيمه وقيل : البركة ههنا هي أنّ اللّه - تعالى - جعل ذريته هم الباقين إلى يوم القيامة ، ثم لمّا بشّره بالسّلامة والبركة شرح بعده حال أولئك الذين كانوا معه فقال :
« وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ »
قيل : المراد الذين معه ، وذرياتهم ، وقيل : ذرّية من معه . قوله
« مِمَّنْ مَعَكَ »
يجوز في « من » أن تكون لابتداء الغاية ، أي : ناشئة من الذين معك ، وهم الأمم المؤمنون إلى آخر الدّهر ، ويجوز أن تكون « من » لبيان الجنس ، فيراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة ؛ لأنّهم كانوا جماعات . وقرىء « اهبط » بضمّ الباء ، وقد تقدّم أول البقرة ، وقرأ « 1 » الكسائيّ - فيما نقل عنه - « وبركة » بالتوحيد . قوله :
« وَأُمَمٌ »
يجوز أن يكون مبتدأ ، و « سنمتّعهم » خبره ، وفي مسوغ الابتداء وجهان : أحدهما : الوصف التقديري ، إذ التقدير : وأمم منهم ، أي : ممّن معك كقولهم : « السّمن منوان بدرهم » ف « منوان » مبتدأ وصف ب « منه » تقديرا . والثاني : أنّ المسوّغ لذلك التفصيل نحو : « النّاس رجلان : رجل أهنت ، وآخر أكرمت » ومنه قول امرئ القيس : [ الطويل ]
2979 - إذا ما بكى من خلفها انحرفت له * بشقّ وشقّ عندنا لم يحوّل « 2 »
ويجوز أن يكون مرفوعا بالفاعلية عطفا على الضّمير المستتر في « اهبط » وأغنى الفصل عن التأكيد بالضّمير المنفصل ، قاله أبو البقاء . قال أبو حيّان : وهذا التقدير والمعنى لا يصلحان ، لأنّ الذين كانوا مع نوح في السّفينة إنّما كانوا مؤمنين ؛ لقوله :
« وَمَنْ آمَنَ »
ولم يكونوا كفّارا ومؤمنين ، فيكون الكفار مأمورين بالهبوط ، إلّا إن قدّر أنّ من المؤمنين من يكفر بعد الهبوط ، وأخبر عنهم بالحال التي يؤولون إليها فيمكن على بعد . وقد تقدّم أنّ مثل ذلك لا يجوز ، في قوله
اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ
[ البقرة : 35 ] لأمر صناعي ، و « سنمتّعهم » على هذا صفة ل « أمم » ، والواو يجوز أن تكون للحال قال الأخفش : كما تقول : « كلّمت زيدا وعمرو جالس » ويجوز أن تكون لمجرّد النّسق . واعلم أنّه سبحانه أخبر بأنّ الأمم النّاشئة الذين كانوا مع نوح لا بدّ وأن ينقسموا إلى مؤمن وكافر . ثم قال :
« تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ »
وقد تقدّم الكلام فيها عند قوله
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ
[ آل عمران : 44 ] في آل عمران . و « تلك » في محلّ رفع على الابتداء ، و
« مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ »
الخبر ، و
« نُوحِيها إِلَيْكَ »
خبر ثان .
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 231 ، والدر المصون 4 / 105 . ( 2 ) تقدم .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 503 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب