تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
لأنّه - تعالى - لا يغرب عن علمه شيء ، وذلك الشيء هو الشّفاعة ، ف « ما » عبارة عن الشفاعة . والمعنى : أنّ الشّفاعة لو كانت لعلمها الباري - تعالى - ، ومثل هذا الكلام مشهور في العرف ، فإنّ الإنسان إذا أراد نفي شيء عن نفسه ، يقول : ما علم اللّه هذا منّي ، ومقصوده : أنّ ذلك ما حصل أصلا . وقوله :
« فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ »
تأكيد لنفيه ؛ لأنّ كلّ موجود لا يخرج عنهما . ويجوز أن تكون « ما » عبارة عن الأصنام ، وفاعل « يعلم » : ضمير عائد عليها . والمعنى : أتعلمون اللّه بالأصنام ، التي لا تعلم شيئا في السماوات ولا في الأرض ، وإذا ثبت أنها لا تعلم ، فكيف تشفع ؟ والشافع لا بدّ وأن يعرف المشفوع عنده ، والمشفوع له ؛ هكذا أعربه أبو حيّان ، فجعل « ما » عبارة عن الأصنام ، لا عن الشّفاعة ، والأول أظهر ، و « ما » في
« عَمَّا يُشْرِكُونَ »
يحتمل أن تكون بمعنى : « الّذي » أي : عن شركائهم الذين يشركونهم به في العبادة ، أو مصدرية ، أي : عن إشراكهم به غيرهم ، وقرأ الأخوان « 1 » هنا « عما يشركون » ، وفي النّحل موضعين : الأول :
عَمَّا يُشْرِكُونَ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ
[ النحل : 1 ، 2 ] . الثاني :
بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
[ النحل : 3 ] . وفي الروم :
هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
[ الروم : 40 ] بتاء الخطاب ، والباقون بالغيبة في الجميع ، وهما واضحتان ، وأتى هنا ب « يشركون » مضارعا دون الماضي ، تنبيها على استمرار حالهم كما جاءوا يعبدون ، وتنبيها أيضا على أنّهم على الشرك في المستقبل ، كما كانوا عليه في الماضي . قوله تعالى :
وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً
الآية . لمّا أقام الدّلالة على فساد القول بعبادة الأصنام ؛ بيّن السّبب في كيفية حدوث هذه المسألة الباطلة ، فقال :
« وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً »
أي : على الدّين الحقّ ؛ لأن المقصود من هذه الآية ، بيان كون الكفر باطلا ؛ لأنّ قوله :
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً
[ البقرة : 213 ] في الإسلام أو في الكفر ، ولا يجوز أن يكونوا أمّة واحدة في الكفر ، فبقي أنّهم كانوا أمّة واحدة في الإسلام ، لقوله - تعالى - :
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ
[ النساء : 41 ] ، وشهيد اللّه لا بدّ وأن يكون مؤمنا ، فثبت أنّه لم تخل أمّة من الأمم ، إلا وفيهم مؤمن . وقد وردت الأحاديث ، بأنّ الأرض لا تخلو عمّن يعبد اللّه - عزّ وجلّ - ، وعن أقوام بهم يمطر أهل الأرض ، فثبت أنّهم ما كانوا أمّة واحدة في الكفر ، فيكونوا أمّة
هامش
( 1 ) ينظر : السبعة ص ( 324 ) ، الحجة 4 / 263 ، حجة القراءات ص ( 329 ) ، إعراب القراءات 1 / 265 ، إتحاف 2 / 107 .