تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
المؤمن الجنّة ، والكافر النّار ، ولكن سبق من اللّه الأجل ، فجعل موعدهم يوم القيامة . قوله تعالى :

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 20 إلى 21 ]

وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ( 20 ) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ ( 21 ) قوله :
« وَيَقُولُونَ »
أي : كفّار مكّة ،
« لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ »
أي : على محمّد
« آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ »
على ما نقترحه ، وذلك أنّهم قالوا : القرآن الذي جئتنا به كتاب مشتمل على أنواع من الكلمات ، والكتاب لا يكون معجزا ، كما أنّ كتاب موسى ، وعيسى ما كان معجزا لهما ، بل كان لهما أنواع من المعجزات ، دلّت على نبوّتهما سوى الكتاب ، وكان في أهل مكّة من يدّعي إمكان المعارضة ، كما أخبر اللّه - تعالى - عنهم في قوله :
لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا
[ الأنفال : 31 ] . فلذلك طلبوا منه شيئا آخر سوى القرآن ؛ ليكون معجزا ، فأمر اللّه - تبارك وتعالى رسوله - صلوات اللّه وسلامه عليه - بأن يجيبهم بقوله :
إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ
[ يونس : 20 ] . وتقرير هذا الجواب : أنه أقام الدلالة القاهرة على أنّ القرآن معجزة قاهرة ؛ لأنّه - صلوات اللّه وسلامه عليه - نشأ بينهم ، وعلموا أنّه لم يطالع كتابا ، ولا تتلمذ لأستاذ ، مدّة أربعين سنة مخالطا لهم ، ولم يشتغل بالفكر والتّعلم قط ، ثم إنّه أظهر هذا القرآن العظيم ، وظهور مثل هذا الكتاب على مثل ذلك الإنسان ، لا يكون إلّا بالوحي ، وإذا كان كذلك ، فطلب آية أخرى سوى القرآن ، يكون اقتراحا لا حاجة إليه وعنادا ، ومثل هذا يكون مفوّضا إلى مشيئة اللّه - تعالى - ، فإن شاء أظهر ، وإن شاء لم يظهر ، فيكون من باب الغيب ، فيجب على كلّ أحد أن ينتظر ، هل يفعله اللّه أم لا ؟ ولكن سواء فعل أم لم يفعل الغيب ، فيجب على كلّ أحد أن ينتظر ، هل يفعله اللّه أم لا ؟ ولكن سواء فعل أم لم يفعل فقد ثبت نبوّته ، وظهر صدقه ، وهذا المقصود لا يختلف بحصول تلك الزّيادة وعدمها . قوله تعالى :
وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً
الآية . وهذا جواب آخر لسؤالهم ، وطلبهم المعجزة ، وذلك من وجهين : الأول : أنّ عادتهم العناد ، والمكر ، وعدم الإنصاف ، فبتقدير أن يعطوا ما سألوه ، فإنهم لا يؤمنون ، بل يبقون على كفرهم ، وعنادهم ؛ وبيانه أنّ اللّه - تعالى - سلّط القحط على أهل مكّة سبع سنين ، ثمّ رحمهم ، وأنزل المطر على أراضيهم ، ثم إنّهم أضافوا المنافع إلى الأنواء والكواكب . الوجه الثاني : أنّه لو أنزل عليهم المعجز لم يقبلوه ؛ لأنّه ليس غرضهم من هذه الاقتراحات التّشدد في الدّين ، وإنما غرضهم الدّفع ، والمبالغة في صون مناصبهم الدنيويّة ؛ لأنّه - تعالى - لمّا سلّط البلاء عليهم ، ثم أزاله عنهم ، فهم مع ذلك استمرّوا على الكفر .