تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
نفسي » ، أمره بأن يقول :
« إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ »
فيما آمركم به ، وأنهاكم عنه ، وهذا يدلّ على أنّه لم يحكم قط بالاجتهاد . وتمسّك نفاة القياس بهذه الآية ؛ لأنّها تدلّ على أنّه - عليه الصلاة والسّلام - ، ما حكم إلّا بالنّصّ . ثم قال :
« إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ »
قالت المعتزلة : هذا مشروط بعدم التوبة . قوله تعالى :
قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ
الآية . لمّا اتّهموه بأنّه أتى بهذا الكتاب من عند نفسه ، احتجّ عليهم بهذه الآية ؛ وذلك بأنّهم كانوا عالمين بأحواله ، وأنّه ما طالع كتابا ، ولا تتلمذ لأستاذ ، ثم بعد أربعين سنة ، أتى بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس علم الأصول ، ودقائق علم الأحكام ، ولطائف علم الأخلاق ، وأسرار قصص الأوّلين ، وعجز عن معارضته العلماء ، والفصحاء ، والبلغاء ، فكل من له عقل سليم يعرف أنّ مثل هذا ، لا يحصل إلّا بالوحي ، والإلهام من اللّه - تعالى - ، والمعنى : لو شاء اللّه ما أنزل القرآن عليّ . قوله :
« وَلا أَدْراكُمْ بِهِ »
أي : ولا أعلمكم اللّه به ، من دريت ، أي : علمت . ويقال : دريت بكذا وأدريتك بكذا ، أي : أحطت به بطريق الدّراية ، وكذلك في « علمت به » ؛ فتضمّن العلم معنى الإحاطة ، فتعدّى تعديتها . وقرأ « 1 » ابن كثير - بخلاف عن البزّيّ - « ولأدراكم » ، بلام داخلة على « أدراكم » مثبتا ، والمعنى : ولأعلمكم به من غير وساطتي : إمّا بواسطة ملك ، أو رسول غيري من البشر ، ولكنّه خصّني بهذه الفضيلة ، وقراءة الجمهور « لا » فيها مؤكّدة ؛ لأنّ المعطوف على المنفيّ منفيّ ، وليست « لا » هذه هي التي ينفى بها الفعل ؛ لأنّه لا يصحّ نفي الفعل بها إذا وقع جوابا ، والمعطوف على الجواب جواب ، ولو قلت : « لو كان كذا لا كان كذا » لم يجز ، بل تقول « ما كان كذا » ، وقرأ ابن عبّاس « 2 » ، والحسن ، وابن سيرين ، وأبو رجاء : « ولا أدرأكم » بهمزة ساكنة بعد الرّاء ، وفي هذه القراءة تخريجان : أحدهما : أنها مبدلة من ألف ، والألف منقلبة عن ياء ، لانفتاح ما قبلها وهي لغة لعقيل حكاها قطرب ، يقولون في أعطيتك : أعطأتك . وقال أبو حاتم : « قلب الحسن الياء ألفا ، كما في لغة بني الحرث ، يقولون : علاك وإلاك ، ثمّ همز على لغة من قال في العالم : العألم » .
هامش
( 1 ) ينظر : السبعة ص ( 324 ) ، الحجة 4 / 259 ، حجة القراءات ص ( 328 ) ، إعراب القراءات 1 / 263 ، إتحاف 2 / 105 . ( 2 ) ينظر : إتحاف 2 / 106 ، الكشاف 2 / 335 ، المحرر الوجيز 3 / 110 ، البحر المحيط 5 / 137 ، الدر المصون 4 / 14 .