تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
وقيل : أبدلت الهمزة من نفس الياء ، نحو : لبأت بالحجّ ، ورثأت فلانا ، أي : لبّبت ورثيت . والثاني : أنّ الهمزة أصليّة ، وأنّ اشتقاقه من الدّرء وهو الدّفع ، كقوله :
وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ
[ النور : 8 ] ، ويقال : أدرأته ، أي : جعلته دارئا ، والمعنى : ولأجعلنّكم بتلاوته خصماء تدرؤونني بالجدال ، قال أبو البقاء : « وقيل هو غلط ؛ لأنّ قارئها ظنّ أنّها من الدّرء وهو الدّفع ؛ وقيل : ليس بغلط ، والمعنى : لو شاء اللّه لدفعكم عن الإيمان به » . وقرأ شهر « 1 » بن حوشب ، والأعمش : « ولا أنذرتكم » من الإنذار ، وكذلك هي في مصحف عبد اللّه . قوله :
« فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً »
أي : حينا ، وهو أربعون سنة ،
« مِنْ قَبْلِهِ »
أي : من قبل نزول القرآن ، فقيل : الضّمير في « قبله » يعود على النّزول ، وقيل : على القرآن ، وقيل : على وقت النّزول ، و « عمرا » مشبّه بظرف الزّمان ، فانتصب انتصابه ، أي : مدة متطاولة ، وقيل : هو على حذف مضاف ، أي : مقدار عمر ، وقرأ الأعمش : « عمرا » « 2 » بسكون الميم ، كقولهم « عضد » في « عضد » . ثم قال :
« أَ فَلا تَعْقِلُونَ »
أنّه ليس من قبلي ، قال المفسّرون : لبث النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وشرّف وكرّم ومجدّ وعظّم فيهم قبل الوحي أربعين سنة ، ثم أوحي إليه ، فأقام بمكّة بعد الوحي ثلاثة عشرة سنة ، ثم هاجر إلى المدينة ، فأقام بها عشر سنين ، ثم توفي ، وهو ابن ثلاث وستّين سنة . وروى أنس - رضي اللّه عنه - : أنه أقام بمكّة بعد الوحي عشر سنين ، وبالمدينة عشر سنين ، وتوفّي وهو ابن ستين سنة « 3 » ، والأول أشهر وأظهر . قوله تعالى :
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
الآية . قال القرطبي « 4 » : « هذا استفهام بمعنى الجحد ، أي : لا أحد أظلم ممّن افترى على اللّه الكذب ، وبدّل وأضاف شيئا إليه ممّا لم ينزل » ، والمعنى : أنّ هذا القرآن لو لم يكن من عند اللّه ، لما كان أحد في الدّنيا أظلم على نفسه منّي ، حيث افتريته على اللّه ، ولمّا أقمت الدّليل على أنّه ليس الأمر كذلك ، بل هو وحي من اللّه - تعالى - ، وجب أن يقال : إنّه ليس في الدّنيا أحد أجهل ، ولا أظلم على نفسه منكم . والمقصود : نفي الكذب عن نفسه . وقوله :
« . . أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ »
فالمراد : إلحاق الوعيد الشديد بهم ؛ حيث أنكروا
هامش
( 1 ) ينظر : السابق . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 335 ، البحر المحيط 5 / 137 ، الدر المصون 4 / 14 . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 3547 ، 3548 ، 5900 ) ومسلم رقم ( 113 / 2347 ) والترمذي ( 3623 ) وفي الشمائل ( 384 ) وعبد الرزاق ( 6786 ) ومالك ( 2 / 919 ) وأحمد ( 3 / 240 ) وأبو يعلى ( 3572 ، 2590 ، 3637 ، 3638 ، 3640 ) والطبراني في « الصغير » ( 1 / 118 ) وابن حبان ( 8 / 101 ) رقم ( 6353 ) والبيهقي في « دلائل النبوة » ( 7 / 236 ) من طرق عن أنس بن مالك . ( 4 ) ينظر : تفسير القرطبي 8 / 205 .