تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
الرّقة ، وفائدتها أنها أقوى تأثيرا في الزّجر ، والمنع عن القبيح ، وهذا غير مطّرد ، بل يحتاج تارة إلى الرّفق واللّطف ، وتارة إلى العنف ، ولهذا قال :
« وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً »
تنبيها على أنه لا يجوز الاقتصار على الغلظة البتة فإنّه ينفر ويوجب تفرق القوم ، فقوله :
« وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً »
يدلّ على تقليل الغلظة ، كأنّه قيل لا بد وأن يكونوا بحيث لو فتّشوا عن أخلاقكم ، وطبائعكم لوجدوا فيكم غلظة ، وهذا الكلام إنّما يصحّ فيمن أكثر أحواله الرحمة والرأفة ؛ فلا يخلو عن نوع غلظة . وهذه الغلظة إنّما تعتبر فيما يتعلّق بالدّعوة إلى الدّين ، إمّا بإقامة الحجّة ، وإمّا بالقتال فأمّا فيما يتعلق بالبيع ، والشراء ، ونحوه فلا . ثم قال
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
أي : بالفوز والنصر ، ويكون إقدامه على القتال بسبب تقوى اللّه لا بسبب طلب المال والجاه . قوله تعالى :
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ
الآية . لمّا ذكر مخازي المنافقين وأعمالهم القبيحة قال : « وإذا ما أنزلت سورة » « ما » صلة مؤكدة « فمنهم » أي : من المنافقين :
« مَنْ يَقُولُ »
قيل : يقول بعضهم لبعض ، ليثبتوهم على النّفاق وقيل : يقولونه لعوام المسلمين ، ليصرفوهم عن الإيمان ، وقيل : يقولون ذلك على سبيل الهزؤ . قوله : « أيّكم » الجمهور على رفع « أيّكم » بالابتداء ، وما بعده الخبر . وقرأ زيد « 1 » بن عليّ وعبيد بن عمير بالنصب ، على الاشتغال ، ولكن يقدّر الفعل متأخرا عنه من أجل أنّ له صدر الكلام . والنّصب عند الأخفش في هذا النحو أحسن من الرفع ؛ لأنّه يجري اسم الاستفهام مجرى الأسماء المسبوقة بأداة الاستفهام ، نحو : أزيدا ضربته ، في ترجيح إضمار الفعل . قوله :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً
أي : يقينا وتصديقا ؛ لأنّهم يقرّون بها ويعترفون بأنّها حقّ من عند اللّه ، وتقدم الكلام في زيادة الإيمان ، ونقصانه في أول سورة الأنفال [ الأنفال 2 ] ثم قال :
« وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ »
أي : يفرحون بنزول القرآن ، وقيل : بثواب الآخرة ، وقيل : بالنّصر والظفر . والاستبشار : استدعاء البشارة ؛ لأنّه كلّما يذكر النعمة حصلت البشارة فهو بالتذكر يطلب تجدّد البشارة ، ثم جمع للمنافقين أمرين مقابلين للمذكورين في المؤمنين . فقال :
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
أي : شكّ ونفاق :
« فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ »
والمراد بالرّجس : إمّا العقائد الباطلة ، وإما الأخلاق المذمومة ، فعلى الأول يكون المعنى : كانوا مكذبين بالسّور النّازلة قبل ذلك ، والآن صاروا مكذّبين بهذه السّورة الجديدة ، فقد انضمّ كفر إلى كفر .
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 324 ، البحر المحيط 5 / 118 ، الدر المصون 3 / 513 .